الجزائر: الفشل في الإصلاح يؤدي إلى تمكين الإسلاميين

تعد التحديات الاقتصادية التي تواجهها الجزائر بسبب تراجع إنتاج النفط وما لها من تداعيات اجتماعية، نذيرا بمشكلة أوسع قد تلقي الجزائريين في أزمة شبيهة بأزمة مرحلة العشرية السوداء التي اعتقدوا أنهم طووا صفحتها. مؤشرات كثيرة تحذر من أن الوضع الذي تعيشه الجزائر، الموجودة ضمن إقليم مضطرب والتي تمر بفترة احتقان كبرى في الداخل، يشكل أرضية ملائمة لتمكين الإسلاميين.
الثلاثاء 2017/05/30
ميثاق السلم والمصالحة ترك باب الخطر مواربا

الجزائر – شرع أعضاء الحكومة الجديدة بالجزائر في تسلم مهامهم بعد يوم واحد فقط من تعديل وزاري موسع أطاح بعدد كبير من الوزراء في مقدمتهم رئيس الوزراء عبدالمالك سلال. ووصفت وسائل إعلام محلية الحكومة التي أسفر عنها التعديل الوزاري بأنها “حكومة أزمة”؛ جاءت لمواجهة تداعيات الصدمة النفطية على اقتصاد البلاد.

لكن الخبراء يحذرون من أن ما تواجهه الجزائر لا يعالج فقط بحكومة جديدة وإصلاحات مؤقتة، فالبلاد تواجه واقعا مضطربا يهدد بنسف أكثر إنجاز يفتخر بتحقيقه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وهو المتعلق بميثاق السلم والمصالحة الذي نجح إلى حد ما في التصدي للإرهاب وأنهى أكثر الفترات دموية في تاريخ الجزائر المستقلة.

وعلى ضوء العجز الذي تعيش على وقعه البلاد بدءا من القلق حول صحة رئيسها المقعد وصولا إلى الأزمات المتشابكة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، فإن الساحة الجزائرية مهددة بعودة وجوه العشرية السوداء، وبقوة مستمدة من الاحتقان الداخلي ومن الفوضى الإقليمية المحيطة، ضمن أجواء اقتصادية مشابهة إلى حد ما أجواء بداية التسعينات التي شهدت صعود نشاط التيار الإسلامي السياسي متأثرا بصعود الثورة الإسلامية في إيران.

وكتبت كاهنة بواغاش في تقرير نشره موقع أراب ديجست ضمن مقتطفات من كتاب إلكتروني يحمل عنوان “مستقبل الشرق الأوسط”، تقول إن الجزائر في أعقاب العشرية السوداء نجحت إلى حد كبير في التصدي لتهديد الإرهاب المحلي، لكن فشلها في إصلاح الاقتصاد من شأنه أن يدفع الحركة الإسلامية إلى الأمام ويخاطر بالعودة إلى الصراع الأهلي.

مقابل الجهود التي تبذلها لإدارة أمنها الداخلي وتقليص التهديدات تسجل الجزائر نجاحا أقل في بناء قوتها الاقتصادية

مازال عبدالعزيز بوتفليقة الرئيس الخامس للجزائر ذو الثمانين عاما يعتبر أنه يستمد شرعيته من ميثاق السلم والمصالحة الذي يعتبره أكبر إنجاز حققه منذ توليه الرئاسة في 27 أبريل 1999، لكن، ورغم ما حققه الميثاق بخصوص إنهاء المذابح التي كان يرتكبها الإسلاميون، إلا أن هذا الإنجاز لم يحصن البلاد من خطر عودة الإسلاميين، وقد ترك الميثاق جروح العشرية السوداء مفتوحة وممكن أن تنزف مجددا.

ولئن دفع بوتفليقة نحو المصادقة على قانون العفو الذي مكّن الجزائر من غلق فصل من الدم والكراهية، فإنه أخفق في وضع نهاية للعنف بشكل تام حيث تعهدت مجموعة منشقة عن تنظيم الجماعة الإسلامية المسلحة، وهي المجموعة الإسلامية الأساسية لفترة التسعينات تحمل اسم الجماعة السلفية للدعوى والقتال، بمواصلة المعركة ثم انضمت إلى القاعدة سنة 2006 وغيرت اسمها إلى القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي.

جهود منقوصة

انخرطت الجزائر بعد توقيع الاتفاق في جملة من المبادرات الإقليمية والدولية لمحاربة الإرهاب، وبالأخص المنتدى العالمي لمحاربة الإرهاب، وعملية محاربة الإرهاب الأوروبية المغاربية التي تندرج ضمن سياسة الجوار الأوروبية وتأسيس المركز الأفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب الذي يتخذ من العاصمة الجزائرية مقرا له ويعمل تحت راية الاتحاد الأفريقي.

لكن، مقابل الجهود التي تبذلها الجزائر لإدارة أمنها الداخلي وتقليص التهديدات العابرة للحدود، سجلت نجاحا أقل بكثير من ذلك في بناء قوتها الاقتصادية، وبالأخص من خلال تنويع مصادر دخلها للتخلص من الاعتماد المفرط على مواد المحروقات. وتعاني الجزائر العضو في منظمة أوبك منذ قرابة ثلاث سنوات أزمة اقتصادية بسبب تراجع أسعار النفط. وتقول السلطات إن البلاد فقدت أكثر من نصف مداخيلها من النقد الأجنبي، التي هوت من 60 مليار دولار في 2014 إلى 27.5 مليار دولار نهاية ديسمبر 2016.

ولمواجهة الأزمة لجأت السلطات الجزائرية إلى عدة إجراءات منها تقليص المبالغ المرصودة في قانون الموازنة العامة لسنتي 2016 و2017، الموجهة لدعم الفئات المحدودة الدخل، كما قلصت من دعم الوقود والكهرباء والغاز. وزيادة على ذلك، تدعو ميزانية 2016 إلى التخفيض في النفقات بنسبة 9 بالمئة (أغلبها استثمار) و4 في المئة من الزيادة في مداخيل الضرائب بالاعتماد على زيادة بـ36 بالمئة من أسعار البنزين وزيادة في ضريبة القيمة المضافة على الكهرباء وعلى تسجيل السيارات المدرجة في قانون المالية لسنة 2017.

المسألة الأساسية لا تكمن في الخلافة في حد ذاتها لأن الهدف الأساس للجزائر في آخر المطاف هو تحقيق الاستقرار

وكون تلك الجهود من أجل الدفع بالاستثمارات الداخلية لم تعط نتائج كبيرة، لا يعتبر أمرا مفاجئا عندما تصرّ وزارة المالية على أن الاستثمار الأجنبي يستوجب ملكية جزائرية دنيا بـ51 بالمئة، وذلك عملا بقانون المالية لسنة 2009 المتعلق بالاستثمار الأجنبي. وزيادة على ذلك تسن الحكومة تراخيص أكثر تقييدا للتجارة والخدمات الخارجية، وهو عامل مثبط هو الآخر ليس فقط للمستثمرين الأجانب لكن كذلك للمستثمرين من داخل البلاد.

ومع كل ذلك، تلتفّ جميع هذه الإجراءات حول المسألة الحقيقية التي تواجهها الجزائر (وهي مسألة مشتركة مع اقتصاديات كثيرة أخرى)، وهي الحاجة الملحة لإصلاحات هيكلية على نطاق واسع وذلك بالرغم من حث المؤسسات المالية الدولية لاتخاذ هذا الإجراء الموجع إذا أريد للبلد تجنب الفوضى.

وتأكدت فاعلية هذا الموقف بتصنيف مؤسسة هاريتاج فاوندايشن للجزائر حاليا في المرتبة الـ154 من بين 178 بلدا باعتبارها “غير حرة في الغالب” اقتصاديا. وتبلغ النسبة المتوسطة للأداءات الجمركية الجزائرية 12.1 بالمئة وسياساتها التجارية والاستثمارية أقل انفتاحا من المتوسط العالمي.

وقد تم التقليص في فحص الاستثمار الأجنبي، لكن المستثمرين الأجانب أقلية. كما أن الأسواق المالية غير متطورة فبالرغم من نمو عدد البنوك الخاصة بقي القطاع المالي تحت سيطرة البنوك العمومية.

أي طريق ستختار الجزائر

تمتلك الجزائر الكثير من الإمكانات في ما يخص الشباب والتعليم والموقع الجيوسياسي.

وتوجد في الصفوف الأمامية في ما يتعلق ببعض المبادرات المهمة منها تمكين المرأة ومحاربة الإرهاب، لكن ترى كاهنة بواغاش أن الإصلاحات فقط يمكنها مساعدة البلاد على تجنب أزمة اجتماعية وسياسية ضخمة أو انتفاضة شعبية.

وبينما قد يكون الرأي العام مركزا اهتمامه على خليفة الرئيس الحالي، تعتقد بواغاش أن المسألة الأساسية لا تكمن في الخلافة في حد ذاتها، لأن الهدف الأساس للجزائر في آخر المطاف هو تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي لن يتحقق دون رؤية واضحة تقوم على تطوير إمكانات شبابها وتطوير قطاعات من ذلك السياحة والصناعات التقليدية، وتشجيع الاستثمار والمساعدة على بناء مشاريع صغرى ومتوسطة قوية. وفي غياب ذلك سيكون على الجزائريين مواجهة نتائج وخيمة.

6