الجزائر تتحصن من الإرهاب خلف سنوات العشرية السوداء

استأثرت ظاهرة الإرهاب العالمي خلال السنوات الأخيرة باهتمام متزايد من البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، بعد أن امتدت هذه اليد الإجرامية إلى أماكن مختلفة من العالم قتلا وتدميرا. وفي الأثناء هناك بعض الدول التي تذوقت مرارة هذه الآفة مبكرا ما جعل شعوبها اليوم تبدو محصنة من الإصابة بهذا الفيروس والتأثر بمروجيه من الحركات المتطرفة، على غرار الجزائر التي يمكن اعتبارها نموذجا في ذلك. وفي هذا الإطار تحدث الطاهر سعود الباحث الجزائري وأستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد لمين على هامش مؤتمر “صناعة التطرف” الذي أقيم مؤخرا بمكتبة الإسكندرية، مؤكدا أن الشباب الجزائري عصي على التجنيد لصالح المجموعات الإرهابية.
الخميس 2016/01/28
الشباب الجزائري عصي على الإرهاب

أكد المفكر الجزائري الطاهر سعود أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد لمين دباغين سطيف 2 أن الحركة الإسلامية في الجزائر أصبح حضورها باهتا إذا ما قارنا حضورها بالفترة التي أعقبت دخولها في العمل السياسي، وقال لقد انكشف الكثير من القضايا وأصبح المواطن الجزائري في احتكاك مباشر مع مشاكله اليومية ومع المسؤولين الذين تم انتخابهم. فعندما ذهبت تلك الحركة لتسيير الواقع اليومي لم تستطع أن تجيب على الكثير من احتياجات المجتمع، وفشلت في تسيير الشأن اليومي للمواطنين الجزائريين الذين هم في حاجة إلى إجابات عن فرص عمل جديدة للشباب العاطل ومشاكل السكن، وليسوا في حاجة إلى خطابات أيديولوجية تتحدث عن مدينة الله في الأرض.

وبالتالي انزاحت تلك الثقة التي وضعها الكثير من الناس في فترة التسعينات، وخسرت الحركة الإسلامية الكثير من عمقها الشعبي لأنها لم تستطع مواكبة الكثير من احتياجات الشأن اليومي، بالإضافة إلى أن تورطها في العمل السياسي أبعدها عن عمقها الدعوي الشعبي.

أوضح الطاهر سعود في لقاء معه على هامش مؤتمر “صناعة التطرف” الذي أقيم أخيرا بمكتبة الإسكندرية أن “الحركات الإسلامية في الجزائر بعضها دخل العمل السياسي وبعضها بقي مشتغلا في المجال الدعوي والاجتماعي العام.

أفول الحركة الإسلامية

نستطيع أن نطلق على الحركات التي دخلت العمل السياسي المفهوم الذي أطلقه أحد المفكرين الفرنسيين ‘أفول الحركة الإسلامية’، شأنها شأن مراحل الاشتراكية والقومية العربية التي كانت عبارة عن محطات أخذت حيزا من الزمان وانتهت. والآن نتحدث عن ما بعد الحركة الإسلامية، لكن هل يمكن لهذه الحركة أن تعيد تأهيل نفسها وأن تجيب عن الأسئلة الراهنة وأن تقيم مسارها، هذه إشكالات تبقى مطروحة عليها، أما حضورها الشعبي فتقيمي كمتابع لهذا الشأن أرى أنها دخلت مرحلة الأفول”.

وأكد الطاهر سعود أن الأفق مسدود أمام الحركات الراديكالية، وتساءل: إلى أين تريد أن تصل؟ وعما إذا كان القتل الذي تمارسه يكتسي أي شرعية؟، مضيفا أن هذه الحركات تقدم نفسها كبديل في حين أنها لا تملك المقومات الصحيحة لهذا البديل الذي يفترض أن يجيب عن احتياجات الناس، أن يجد حلولا لإشكالياتهم، لا أن يضع حدا لحياتهم بحجج وذرائع واهية. كما أن هذه الحركات أساءت إلى الفكرة التي تدافع عنها، وروجت صورا قاتمة عن الإسلام والمسلمين اليوم نتيجة الأعمال الإجرامية التي تقترفها في حق الأبرياء والتي لا يستسيغها لا المنطق الإنساني ولا القوالب الدينية على حد تعبيره.

الطاهر سعود: الحركات الإرهابية في الجزائر تراجعت، وما هو قائم مجرد بقايا محصورة في أماكن قليلة، وحضور هذه الحركات إعلاميا أكثر من حضورها واقعيا

ورأى أن المجتمع الجزائري يكتسي خصوصية كبيرة جدا فهو من المجتمعات التي كانت ضحية لآفة الإرهاب، قبل أن تطال يدها المجرمة أنحاء العالم اليوم، وقبل أن يبدأ الجميع في الحديث عنها وعن أخطارها أو ضرورة التصدي لها.

وقال “كنا من أول المجتمعات التي تعرضت لهذه الآفة الخطيرة في تسعينات القرن الماضي، والآن الجزائر تمتلك سجل 25 عاما في مكافحتها، ولكن العالم لم ينصت إلى تحذيرات الجزائر من هذه الآفة إلا عندما تعرضت أميركا صبيحة يوم الحادي عشر من سبتمبر لتفجير مبنى التجارة العالمي. حينها استيقظ العالم وأدرك مغزى الصوت الجزائري الذي كان ينادي قبل أكثر من عقد إلى ضرورة التنبه وضرورة العمل المشترك للقضاء على الإرهاب وتجفيف منابعه.

ويبدو لي أن فترة الإرهاب في الجزائر والتي نسميها بالعشرية السوداء أو العشرية الحمراء جعلت الكثير يلتفتون لمقاومة هذه الآفة. ورغم أننا نعيش اليوم كجزائريين في مرحلة ما بعد الإرهاب، إلا أن هذا لا يعني أننا في أمان من خطره لا سيما في ظل النسخ الجديدة للإرهاب، والتي كان آخرها الطبعة الداعشية”. لكن سعود استدرك قائلا إن “ما يميز الجزائر في هذا السياق أن المواطن أصبح على وعي بمرارة الإرهاب والحركات الإرهابية التي ذاق ويلاتها عن طريق القتل والذبح والتشريد، وخسر ما يزيد عن 200 ألف قتيل”.

خارطة الحركات الإسلامية في الجزائر

وأشار الطاهر سعود إلى أن خارطة الحركات الإسلامية في الجزائر تضم ثلاث حركات كبرى يمتد وجودها إلى ما بعد الاستقلال، منها جماعة الإخوان المسلمين وهي ثلاثة أجنحة، الجناح الإخواني الذي تأثر بحركة الإخوان المصرية وأسس فروعا له في الجزائر وعلى رأسها تيار الإخوان العالمي الذي تمثله اليوم حركة حمس وهي حزب سياسي معترف به، أفقه الفكري وخلفيته الفكرية عبارة عن امتداد لحركة تيار الإخوان العالمية في الجزائر، والجناح الثاني هو جناح الإخوان المحليين الذين يؤمنون بعالمية الفكرة دون أن يكون له تمثيل عضوي مع التنظيم الدولي للإخوان، ولهم وجهات سياسية وحزبية واجتماعية.

وهناك جناح آخر يتبنى فكرة الإسلام الجزائري وهو جماعة البناء الحضاري التي تتبنى فكرة التنظيم المحلي وفكرة الإسلام الجزائري، وترى أن الجزائر يمكن أن تطور أفكارها وتطور مؤسساتها التنظيمية التي تدير الشأن الدعوي دون أن تكون منتمية لفضاء أكبر كفضاء الجماعة الإخوانية العالمية.

وهناك الحركة السلفية حيث يوجد حضور كبير للتيار السلفي بطبعاته وأشكاله المتعددة: السلفية العلمية والسلفية الحركية والسلفية الجهادية التي كانت الجذر الفكري للتطرف الإرهاب في الفترة السابقة التي عرفتها الجزائر. وهناك أيضا جماعة الدعوة والتبليغ ذات الأصول الباكستانية وهي نشطة في الجزائر مع التيارات السلفية الأخرى لأنها منفتحة على العمل الدعوي البسيط وليس لها علاقة بالسياسة ولم يعرف عن المنتمين إليها أنهم دخلوا في عداء مع المجتمع.

وحول علاقة كل هذه الحركات بالحركات الموجودة في تونس والمغرب ومالي وموريتانيا وليبيا قال الطاهر سعود “ليست هناك علاقات كبيرة على الصعيد التنظيمي، لكن على صعيد العلاقات الشخصية بين القيادات هناك علاقات قيادية معروفة مثل علاقة قيادي حركة النهضة بتونس مع قياديين في الجزائر بمختلف انتماءاتهم الحركية سواء الإخوان العالميين أو المحليين أو جماعة البناء الحضاري، هناك علاقات في الإطار الشخصي بين القياديين حيث يتبادل القياديون الإسلاميون الدعوات لحضور المؤتمرات الحزبية والسياسية للمحاضرة، لكن لا أعتقد أن هناك تنظيما تنسيقيا بينها.

الحركات الإسلامية في الجزائر بعضها دخل العمل السياسي وبعضها بقي مشتغلا في المجال الدعوي والاجتماعي العام

وأضاف “أن الحركات الإرهابية في الجزائر تراجعت، وما هو قائم مجرد بقايا محصورة في أماكن قليلة، بعضها أعلن انتماءه سابقا إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي وبعضها أعلن الانتماء إلى تنظيم داعش، ولكن حضور هذه الحركات إعلاميا أكثر من حضورها واقعيا، لأن السياسة التي اتبعتها الجزائر في السنوات الماضية سياسة مزدوجة. إذ عبر مشروع المصالحة الوطنية عن إمكانية المصالحة مع التيارات التي تختار العودة والاندماج السلميين داخل المجتمع وتغفر له ما سبق من ذنوب، وأما التيارات التي رفضت المصالحة الوطنية فإن الدولة عازمة على إنهائها بالقوة.

ولا يخفى على أحد أن الجزائر اليوم اكتسبت تجربة كبيرة في مكافحة الإرهاب، ولعل هذا ما يفسر أن تكون من بين الدول القليلة في العالم العربي التي تتمتع بالأمن والاستقرار مقارنة ببعض الدول العربية التي تحولت إلى مناطق جاذبة للإرهاب. مضيفا أن هذه التجربة يمكن أن تستفيد منها الدول العربية في إطار سعيها للمحافظة على استقرارها والتصدي للمجموعات الإرهابية.

وأكد الخبير الجزائري أن الحركات الإرهابية فشلت في تجنيد الشباب الجزائري وكل الأرقام والتقارير تصب في هذا الإطار، لأن تجربة العشرية السوداء أكسبته حصانة ضد هذه الآفة التي تنخر في وطننا العربي اليوم.

6