الجزائر تتخلى عن المكابرة وتقر بخطورة أوضاعها المالية

الأربعاء 2015/01/28
فاتورة الواردات المتنامية أصبحت تعادل عوائد صادرات الطاقة التي بلغت العام الماضي 60 مليار دولار

الجزائر – تخلت الحكومة الجزائرية عن المكابرة والتأكيد أن احتياطاتها النقدية ستحميها من تداعيات هبوط أسعار النفط، ليخرج رئيس الوزراء إلى الجزائريين ويعترف بأن الأزمة باتت على الأبواب وأن بلاده بحاجة ماسة لترشيد الإنفاق.

يقول مراقبون إن الجزائر دخلت مرحلة جديدة بانتقال السلطات الجزائرية للتعبير الصريح عن حجم الأزمة الاقتصادية التي تحاصرها، والتي تؤكد المخاوف التي تجتاح البلاد، ويعرف أبعادها غالبية الجزائريين.

فقد أعلن رئيس الوزراء الجزائري عبدالمالك سلال ومن خلال التلفزيون الجزائري أن الأزمة الاقتصادية أصبحت على الأبواب، لتتخلى السلطة عن المكابرة وتحسم التصريحات المتناقضة التي تكشف صراعا داخليا في أروقة الحكومة.

وأصبح لزاما على الجزائر أن ترسم مسارا محفوفا بالمخاطر يتمثل في تقييد الإنفاق العام المرتفع، دون التأثير على موازنة الرعاية الاجتماعية السخية التي ساعدت في الحيلولة دون تفجر اضطرابات شعبية واسعة النطاق.

وتكمن الخطورة في أن إيرادات الدولة تعتمد بنسبة 95 بالمئة على إيرادات صادرات الطاقة لتمويل الدعم الحكومي للأسعار والإسكان الشعبي والقروض الرخيصة، لتهدئة الغضب الشعبي وشراء السلم الاجتماعي.

وأعلن سلال عن تجميد عمليات تعيين موظفين جدد في القطاع العام، باستثناء الطاقة والصحة والتعليم. ويوفر القطاع العام نحو 60 بالمئة من الوظائف.

ريكاردو فابياني: "السلطات تعطي أولوية للاستقرار الاجتماعي على حساب المسؤولية المالية"

كما تقرر تأجيل عدة مشروعات مزمعة لمد خطوط ترام وسكك حديدية، في حين أن مشروعا لتوسعة مطار العاصمة سيمول من خلال قروض مصرفية وليس من موازنة الدولة.

وحاول طمأنة الجزائريين بأنه لا يتحدث عن تقشف، بل عن ترشيد الإنفاق مشيرا إلى أن البلاد تواجه أزمة كانت تتوقعتها. وتأتي القرارات في وقت حساس للقيادة الجزائرية، في ظل استمرار التساؤلات حول صحة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، الذي يتولى السلطة منذ عام 1999.

ويمكن للجزائر شراء بعض الوقت بسبب امتلاكها لاحتياطات نقدية تصل إلى 185 مليار دولار. لكن بعض الاقتصاديين يقولون إن الإجراءات المحدودة التي أعلنت حتى الآن، لن تفعل شيئا يذكر لسد عجز الميزانية الذي يقدر رسميا بنسبة 22 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015. لكنه يمكن أن يرتفع كثيرا بسبب اعتماد الموازنة على سعر 90 دولارا للبرميل، أي ضعف السعر الحالي.

ويقول الاقتصاديون إن المجال محدود للمناورة بسبب ترجيح عدم خفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية في الوقت الراهن، في بلد له تاريخ في تطبيق السياسات الاشتراكية ومركزية الاقتصاد.

ويتوقع ريكاردو فابياني المحلل لدى مجموعة أوراسيا “أن تعطي السلطات أولوية للاستقرار الاجتماعي على المسؤولية المالية في الأجل القصير، توقعا لعدم استمرار الانخفاض الحالي في أسعار النفط والغاز لأكثر من عام أو عامين”.

وقالت الحكومة أيضا إنها ستطبق قيودا مشددة على تراخيص الاستيراد للحد من الواردات كوسيلة لحماية احتياطيات النقد الأجنبي التي تستخدم في سداد مستحقات الموردين في الخارج.

ولم تذكر الحكومة رقما لحجم الخفض المستهدف في الإنفاق العام لمواجهة هبوط أسعار النفط الذي يمثل 97 بالمئة من إجمالي الصادرات.

وأمعنت الحكومة في الهروب إلى الأمام بزيادة الإنفاق في موازنة 2015 التي أعلنتها في ديسمبر بنسبة 16 بالمئة، ليصل إلى 112 مليار دولار.

عبدالمالك سراي: "الجزائر لا يمكنها الانتقال بسرعة من اقتصاد اشتراكي إلى اقتصاد حر"

ويلتهم الدعم الحكومي نحو 30 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو يغطي كل شيء من الحليب إلى غاز الطهو وصولا إلى الكهرباء والإسكان.

وقال المستشار الرئاسي السابق عبدالمالك سراي إن “الجزائر لا يمكنها الانتقال بسرعة من اقتصاد اشتراكي إلى اقتصاد حر… وهي لا تستطيع أن تغير سياسة الدعم”.

وتبلورت حساسية الإنفاق الاجتماعي الأسبوع الماضي، حين قال وزير المالية محمد جلاب إن الجزائريين سيضطرون يوما ما لدفع فواتير الرعاية الصحية في المستشفيات العامة وتكاليف الإسكان.

ويتذكر كثير من الجزائريين البالغ عددهم 40 مليونا انهيار أسعار النفط عام 1986 الذي كان سببا في تفجر أعمال شغب واسعة واقتراب الاقتصاد من حافة الانهيار.

ويتابع الغرب استقرار الجزائر عن كثب، لأنها من الدول الرئيسية المصدرة للغاز إلى أوروبا وحليف للولايات المتحدة في الحرب على المتشددين الإسلاميين في منطقة الساحل بافريقيا.

وأصبحت الاحتجاجات شائعة، لكنها في العادة محلية وسرعان ما يتم تسويتها من خلال زيارة يقوم بها المسؤولون. وقد لقي شخصان مصرعهما في اشتباكات بسبب الإسكان وأوضاع المعيشة في الجنوب في نوفمبر الماضي.

وقد تراجعت عوائد صادرات النفط والغاز في العام الماضي إلى 60 مليار دولار، وهو رقم يقارب حجم فاتورة الواردات المتنامية خلال ذلك العام. وقدر صندوق النقد الدولي سعر النفط الذي تحتاجه الجزائر لتحقيق التوازن بنحو 136 دولارا للبرميل في عام 2014، وهو الأعلى بين مصدري النفط في المنطقة.

وتسعى الجزائر التي يبلغ إنتاجها نحو 1.2 مليون برميل يوميا، لزيادة الإنتاج في وقت تتناقص فيه طاقة حقولها الحالية.

وقد طرحت في العام الماضي 31 منطقة للتنقيب عن النفط والغاز، لكنها لم تتمكن من إرساء سوى 4 تراخيص، بسبب الفساد وتردي الأوضاع الأمنية، الذي يقلق الشركات الأجنبية.

ويتضح حجم القلق الذي يساور السلطات في إصرارها على استغلال الغاز الصخري، رغم الاحتجاجات الشعبية وتراجع الجدوى الاقتصادية لإنتاجه.

11