الجزائر تتكلم بالصينية

الأحد 2016/07/31

قبل أربع سنوات، اكتشفت نخبة القرّاء في الجزائر اسم مو يان (1955-)، فلا أحد تقريباً كان يعرف الرّوائي نفسه قبل فوزه بنوبل للآداب، كان اسماً مجهولا، على غرار المئات من الأدباء الصّينيين المعاصرين الذين لا نعرفهم في الجزائر، ولكن فجأة، منذ أشهر قليلة، سمعنا مسؤولين من الدّولة يتحدّثون عن «العلاقات الثّقافية الوطيدة» بين الجزائر والصّين، وبأن للبلدين تاريخا ثقافيا مشتركا، ونشطت في الأسابيع الماضية، بشكل غريب، رحلات سياحية لكتّاب جزائريين إلى الصّين، واكتمل المشهد بتدشين «أوبرا الجزائر» التي بنيت بسواعد أو أموال صينية، هدية للجزائر بمناسبة مرور نصف قرن على استقلالها.

من المنصف أن نشيد بافتتاح «دار أوبرا» في الجزائر (1400 مقعد)، باعتبارها الأولى من نوعها في المغرب العربي، والثالثة عربياً (بعد مصر وسوريا)، وبلغت تكلفتها الإجمالية حوالي 40 مليون دولار أميركي، ولكن الأمر كان سيكون مفرحاً لو أن المشروع جاء ضمن مخطط محلي، وضمن رؤية استراتيجية للدّولة للاهتمام بالقطاع الثّقافي، وليس ﮐ«هبة» أو «صدقة» من حكومة الصّين نظير المشروعات الاقتصادية، التي حظيّت بها في العقدين الماضيين، فقد انتهج الصينيون خطّة مغرية، بتقديم هدايا (عبارة عن منشآت ثقافية)، في الدّول العربية التي تنال فيها شركات البناء الكبرى مشاريع وصفقات، بالتّالي فإن مشروع دار الأوبرا الجزائرية لم يأت ضمن أفق ثقافي، بل هو نتاج صدفة، بنيت من بقايا الملايين التي تساقطت من مشاريع عمرانية سابقة، مع ذلك، فقد فتح هذا المشروع نافذة للحديث عن جدوى العلاقات الثّقافية في البلدين.

حين يتحدّث مسؤولون من الجزائر، عن «تاريخ ثقافي مشترك» مع الصّين، فهم على حقّ، فالصين والجزائر تشتركان في ممارسات متشابهة في التّعامل مع الكتّاب والمثقفين، في التّضييق على الحريّات، في منع كتب، في حبس صحافيين، في منع منشورات أجنبية من الدّخول إلى البلد، في فرض نمط تعليمي يمجّد جزءًا من الماضي، ويتغاضى عن الجزء الآخر، الجزائر والصّين تشتركان في خوفها من حريات الإبداع، في قمعهما للآراء المخالفة للرّأي السّائد، في نصرتهما للأدب الرّسمي على حساب أدب الهامش، في ارتيابهما من الاختلاف، وعدم تصالحهما مع الماضي، فالجزائر والصّين ورغم تباعدهما اشتركا في نظرة معادية لحقوق الفرد في التّفكير الحرّ. ويمكن أن نطالع كتاب «في مملكة الظّلام» (2013) للياو ييو، الكاتب الصّيني المقيم في برلين، لندرك الجانب المعتم من التّاريخ الثّقافي في الصّين، والذي تدور فصوله في السّجون، وفي مخافر الشّرطة والمخابرات.

الصّين الثّقافية التي تحتفل بها الجزائر الآن، بمناسبة افتتاح «دار الأوبرا»، بالضّاحية الشّرقية من الجزائر العاصمة، هي في الحقيقية الصّين الرّسمية وليست الصّين المتعدّدة، هي صين «الظّلام» -بتعبير لياو ييو- التي يتوجّس فيها الكاتب خوفا من كلمة أو من جملة في نقد الرّئيس شين جين بينغ، أو في نقد الحزب الشّيوعي الحاكم، فما تقوم به الجزائر هو استيراد النموذج الرّمادي من الصّين، النموذج المتوارث من الحقبة السّوفييتية، وليس النّموذج النّاصع منها، كما لو أن السّلطات الجزائرية بفعلتها هذه تبرّر سلوكيات لها في الدّاخل، من تضييق على الحريات الإبداعية والفردية، وتجد في الصّين شماعة لتعليق «هجماتها» غير المبرّرة تجاه الحقّ في الرّأي.

ما يحصل في الجزائر، أن الأجهزة الرّسمية تروّج لصين غير الصّين الأصلية، صين ملساء، نتحدّث عن عراقتها، بشكل عام وسريع، من دون التّوقف في تفصيلات مهمّة، من دون ذكر كلمة عن «مظاهرات ساحة تيانانمن، 1989»، حين قام العسكر بتصفية مثقفين وأناس عاديين، ولا الحديث عمّا يحدث في إقليم التبت، ولا عن تراجع واقع الحريات الرّهيب، في البلد، هذه إذن الصّين المناقضة لعراقتها، المتصالحة مع الواقع الشيوعي القديم، التي صارت محلّ احتفاء في الأوساط الثّقافية الرّسمية في الجزائر.

كاتب من الجزائر

15