الجزائر تجابه مشاكلها بحلول ظرفية مساوئها أكثر من منافعها

لطالما التجأ النظام الجزائري في مواجهة مختلف المشاكل التي تعترضه، سواء كانت تهديدات إرهابية أو احتجاجات اجتماعية مشروعة، إلى حلول ظرفية تؤجل الأزمات إلى حين دون أن تعالجها من الجذور. فهو تارة يعول على قبضة أمنية صارمة لا ترحم أحدا، مساوئها أكثر من منافعها، وطورا يلجأ إلى منطق التخويف من الفوضى والعنف، وطورا آخر إلى شراء السلم الأهلي دون الاستثمار الحقيقي في المستقبل، وفق دراسة للباحثة، دالية غانم يزبك، صادرة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط.
الخميس 2015/08/13
القمع الأمني لا يحل المشاكل بقدر ما يشحذ أحاسيس الحقد والتطرف

الجزائر - تركز الكثير من التحليلات والدراسات، منذ سيطرة جماعات جهادية على رأسها تنظيم داعش على قطاع شاسع من الأراضي السورية والعراقية، جهودها على تفسير ظاهرة “الهجرة الجهادية” وفهم الأسباب والدوافع التي جعلت منطقة المغرب العربي تعتبر المصدر رقم واحد للمقاتلين.

وبالنظر إلى نتاج الإحصائيات التي كشفت عنها تقارير متعددة، والتي تضع تونس على رأس قائمة البلدان المصدرة للجهاديين بأكثر من 3000 عنصر، تبدو الحصيلة المسجلة في الجزائر، والتي كشفت عن أنّ عدد المقاتلين الذين توجهوا إلى الخارج لا يتجاوز حدود الـ63 عنصرا، وفق تصريحات رسمية جزائرية، مفاجئة.

وتعتبر هذه الحصيلة مفاجئة، خصوصا إذا أُخذ بعين الاعتبار أنّ الجزائريين كانوا من الدفعات الأولى التي تدفقت على أفغانستان في العام 1979 للانخراط في الجهاد ضد القوات السوفييتية، وأنّ آلاف الجزائريين انضموا إلى صفوف الجماعة الإسلامية المسلحة والحركات الجهادية الأخرى خلال الحرب الأهلية التي شهدتها بلادهم في تسعينات القرن الماضي.

ويمكن تفسير أسباب هذا العدد المحدود للجزائريين الملتحقين بساحات الصراع في الشرق الأوسط (وبشكل أعمّ نفوذهم الضئيل في البلاد) بجملة من العوامل والإجراءات التي تتعلق أساسا بالخطاب العام الجزائري الذي يرتكز على سياسة التخويف من الماضي، والسيطرة على الدائرة الدينية وسياسات الدولة نحوها، والقبضة الأمنية الصارمة وسياسات شراء السلم الاجتماعي. والتي تقدّم في مجملها حلولا ظرفية يمكن أن تقلص من عدد المقاتلين المتجهين إلى مناطق الصراع ولكنها لا تعالج الظاهرة الجهادية والإرهابية من جذورها في ظلّ تواصل سياسات الدولة الفوقية وتجاهلها للتظلمات الاجتماعية والسياسية. وهو ما قد يزرع في نهاية المطاف بذور اللااستقرار مجدّدا في الجزائر.

حلول ظرفية

يتعلق أحد أبرز الأسباب الرئيسية التي تكمن وراء الجاذبية المنخفضة للحركات الجهادية في الشرق الأوسط بين صفوف الجزائريين، بتجربة الحرب الأهلية التي شهدتها بلادهم طيلة عقد التسعينات من القرن الماضي، والتي مازالت تمثل جرحا غائرا في أفئدتهم ونفوسهم. وقد خلّفت هذه الحقبة، التي تُعرف بالعشرية السوداء والتي قُتِل خلالها زهاء 150 ألف شخص واختفى 7 آلاف آخرون، جرحا عميقا وغائرا لا تزال معالمه تتجلى بوضوح في توق الجزائريين إلى الأمن والاستقرار. وهو الأمر الذي تُغذي مشاعره السلطات لتبرير مواقفها الأمنية القاسية من جهة، ولتخويف الشعب من إعادة تلك التجربة الدموية القاسية.

المشاكل المتفاقمة قد تدفع الشباب إلى أحضان الحركات الجهادية كتعبير عن استيائهم ورفضهم لسياسات الدولة

ولا شك أنّ الجزائريين الذين عاشوا سنوات الحرب وهم في سن مبكرة، ترعرعوا في بيئة يحكمها الخوف الدائم. وإلى الآن، لا تزال حالة الخوف والفوضى واللااستقرار قوة مهولة في الجزائر، فحالة الطوارئ التي أُعلنت في مستهل الحرب الأهلية، لم تُرفع إلا في العام 2011. ثم إنّ البلاد لا تزال تشهد حوادث جهادية محدودة ومحلية بشكل كبير.

كما أنّ عددا كبيرا من الجزائريين مازالوا يشعرون بالقلق من احتمال العودة إلى الاضطرابات، خصوصا مع اندلاع النزاعات في بلدان مجاورة وتنامي الأخطار المحدقة في ليبيا، والتي يخشون أن تمتد إلى بلادهم.

ونتيجة لتلك الصدمة، يبدو واضحا أن رغبة الجزائريين في الأمن أضحت أقوى من أي وقت مضى. وقد عوّلت السلطات الجزائرية على تلك الصدمة العميقة وعلى الخوف من اللااستقرار، وغذّته من خلال البيانات الحكومية المتواترة التي تركّز على التخويف وعلى فكرة أن “الأمن التام” يجب أن يكون سائدا في الجزائر. وهكذا كان الأمر على وجه الخصوص منذ الانتفاضات العربية التي بدأت في العام 2011، حين أصبح خطاب الدولة (في الإعلام الحكومي وفي خطب المسؤولين) متمحورا حول مخاطر الإرهاب، وحول الحاجة إلى أمن وطني صلب.

عامل آخر أسهم بقدر كبير في إبقاء مشاركة الجزائريين في التنظيمات الجهادية منخفضة، هو الرقابة المشدّدة التي تفرضها الأجهزة الأمنية على الأفراد والتنظيمات.

ولا تعني تلك القبضة الأمنية غياب العنف الجهادي كليّا في البلاد، إذ أن النشاط الجهادي المحلّي متواصل ولم يتوقف إلى الآن، وآخر تمظهراته الخطيرة تجلّت مع الهجوم الذي شنّه تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي‎ على موكب للجيش في عين الدفلى، شمالي البلاد، في 8 يوليو المنصرم.

ولا يعتبر مفهوم القبضة الأمنية الصارمة مجرّد شعار في الجزائر، بل هي سياسة نظام يسخر لها الإمكانيات والقدرات ليضمن من خلالها بقاءه وتواصله في الحكم. وقد وظّفت الجزائر، التي يعدّ عدد سكانها 39 مليون نسمة، 209 آلاف من عناصر الشرطة في المديرية العامة للأمن الوطني في العام 2014، فيما كان العدد 90 ألفا في العام 2009. في المقابل،لا توظف فرنسا، التي يبلغ عدد سكّانها 65 مليون نسمة، سوى 143 ألف شرطي في جهاز الأمن الوطني.

وتقدّم الدولة الجزائرية حوافز إلى أعضاء أجهزة الأمن للحفاظ على ولاءاتهم. ففي العام 2010، زادت رواتب موظّفي الجهاز المرتفعة أصلا بنسبة 50 في المئة. ويتمتع أعضاء الأجهزة الأمنية بامتيازات مهمّة، في مجال الإسكان مثلا: إذ مُنحوا 30 ألف وحدة سكنية في العام 2013. كما يحصل أعضاء الشرطة على مكافآت متعلقة بأدائهم، وعلى منحِ خطر تصل نسبتها إلى 70 في المئة من راتب الموظف، فضلا عن مدفوعات إضافية مخصّصة للأعضاء الذين ينتقلون إلى مناطق نائية، ومكافآت تصل إلى 400 دولار للأعضاء الذين ينجح أولادهم في امتحانات الثانوية العامة (البكالوريا).

الآليات الأمنية الصارمة تشكل نهجا خطيرا لأسباب عديدة من بينها الخلط بين القضايا الإرهابية والاحتجاجات المشروعة

ويدعم كلٌّ من الجيش الوطني وجهاز المخابرات التابع له، قواتِ الشرطة والدرك، ففي الجيش الجزائري قوة عاملة يبلغ عددها 512 ألفا، كما أنّ القوة البشرية المتاحة للتجنيد يبلغ قوامها حوالي 20 مليون شخص في الجزائر، بالإضافة إلى قوة الاحتياط العاملة التي يبلغ عددها الـ400 ألف شخص.

ولكن وعلى الرغم من ذلك تبقى للقبضة الأمنية الصارمة مساوئها وتداعياتها الخطيرة على الاستقرار الداخلي في ظل المشاكل الاقتصادية وكثرة الاحتجاجات الاجتماعية التي تطالب بالتشغيل والتقسيم العادل للثروة، والتي تتم مجابهتها بهذه الذراع الطولى للدولة، التي لا ترحم أحدا في سبيل حماية النظام ومن يقف وراءه.

نهج خطير

تشكّل الآليات الأمنية الصارمة نهجا خطيرا في مسار الدولة الجزائرية، لأسباب عديدة من بينها الخلط بين القضايا الإرهابية والاحتجاجات الاجتماعية المشروعة، وكذلك انتشار ثقافة الإفلات من العقاب في صفوف أعضاء الشرطة والأجهزة الأمنية، ما يتيح لهم ممارسة التعذيب وسائر انتهاكات حقوق الإنسان من دون الخضوع إلى المحاسبة.

قد ينجم عن ذلك الخلط وتلك الانتهاكات مزيد من التطرّف في صفوف الشباب، كما حدث في تسعينات القرن الماضي، حين أدّى فتح مراكز الاحتجاز في الجنوب إلى سعي آلاف الشباب إلى الانتقام والثأر. وهو ما يفرض على الجزائر أن تفكّر في إصلاح قطاع الأمن، ما قد يشكّل خطوة أولى في مسار بناء علاقات مدنية عسكرية أكثر توازنا.

وإضافة إلى ذلك، لا تزال الجزائر تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة وآخذة في التنامي، والشباب هم بلا شك أولى ضحايا تلك المشاكل؛ فعلى المستوى الاقتصادي مازالت الجزائر تعتمد بشكل كبير على قطاع النفط والغاز، الذي يشكّل 60 في المئة من عائدات الميزانية في البلاد، و97 في المئة من صادراتها، و30 في المئة من إجمالي الناتج المحلّي، وهو ما يعني أنّ اقتصادها لا يزال اقتصادا ريعيّا مرتبكا، خاصة أنه يتأثر بارتفاع أسعار الطاقة وبانخفاضها، مثلما يحصل الآن.

القبضة الأمنية الصارمة تبقى مساوئها كثيرة مقارنة بمنافعها إن وجدت وتداعياتها خطيرة على الاستقرار الداخلي

أمّا على المستوى السياسي، فثمة نقص، أو ربما غياب كامل للتجديد الجيلي في الجزائر، ما سمح ببقاء المسؤولين أنفسهم في السلطة منذ مرحلة ما قبل استقلال البلاد في العام 1962. وقد حالت سلطويتهم دون ظهور معارضة حقيقية، كما أدّت إلى نشوء مجتمع محلّي يعاني من فقدان المعايير.

أمّا المشاكل الاجتماعية التي تعاني منها البلاد فتتوزع على؛ بطالة عالية بلغت نسبتها 10.6 في المئة في الربع الثالث من العام 2014، وأزمة إسكان، مع نقص تراكمي متمثّل في 1.993.768 وحدة سكنية في العام 2015، ومعدّلات أجور منخفضة جدّا وظروف معيشية سيّئة أثارت أكثر من 9 آلاف حادثة لأعمال الشغب في العام 2010.

وقد تدفع كل هذه المشاكل الشبابَ إلى الحركات الجهادية باعتبارها وسيلة للتعبير عن استيائهم ورفضهم لسياسات الدولة التي تجابههم بقبضتها الأمنية وبمسكناتها الاجتماعية التي لا تقصد من خلالها سوى شراء السلم الأهلي إلى حين. وهي تعتبر مسكنات ظرفية لا تعمد إلى معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية من جذورها. ومع تواصل نشاط الحركات الجهادية في البلاد، بدأت هذه المشاكل توحي بتشكل بيئة مواتية لالتحاق الشباب الساخطين بصفوفها.

ولمنع هؤلاء الشباب الساخطين من الانضمام إلى المجموعات الجهادية المحلية، لا حل أمام النظام الجزائري سوى أن يعالج القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تؤثّر على السكان، ولا سيما على الشباب معالجة حقيقية وعميقة. وسوف تتطلّب معالجة الإحباط في صفوف الشباب أكثر من مجرّد ضخ مليارات الدولارات في مشاريع مثل الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب؛ فمثلما حمل جيل عام 1962 السلاح للمطالبة بحقوقه في العام 1992 بعد ثلاثين عاما على الاستقلال، قد تكون المسألة مسألة وقت فقط قبل أن يحمل جيل عام 1992 السلاح بدوره للمطالبة بحقوقه من الفئة نفسها التي حكمت البلاد منذ مرحلة ما قبل الاستقلال.

خلاصة القول، إنّ الحلول الظرفية التي يتّبعها النظام الجزائري لمجابهة المشاكل المتفاقمة لا تمثل حلا طويل المدى وإن حافظت له على تواصل وجوده إلى حدّ الآن، فارتفاع وتيرة التظلّمات التي لم تتم معالجتها بصفة جذرية، سيزيد بدوره من حالة إحباط الشباب وشعورهم بالقهر. وقد يعزّز هذا الأمر دعمهم للمجموعات المتطرفة الداخلية أو الخارجية، وستجد الجزائر نفسها مرة أخرى غارقة في مستنقع من الفوضى والعنف.

7