الجزائر تجازف بمشاريع "زراعة الأعمال" رغم ثبوت فشلها

قفزت الحكومة الجزائرية إلى خطوة ارتجالية جديدة للخروج من الأزمات الاقتصادية الكثيرة التي تحاصرها، وأعلنت تحرير أسعار الأعلاف، بحجة القضاء على المحتكرين والمضاربين. وقال محللون إنها خطوة للهروب إلى الأمام لخفض الأعباء المالية عن الموازنة العامة.
الأربعاء 2017/02/08
شرارة جديدة لتفجير الغضب الشعبي المحتقن

الجزائر - لا يزال موقع القطاع الزراعي غامضا في معادلة النموذج الاقتصادي الجديد، الذي أطلقته الحكومة الجزائرية العام الماضي بهدف التحرر من تبعية الريع النفطي وتنويع الاقتصاد خارج المحروقات.

وتحاول الحكومة جاهدة البحث عن حلول تمكنها من تفادي الهزات النفطية مستقبلا، خاصة في ظل هشاشة الأمن الغذائي وعجز القطاع عن تحقيق الاكتفاء الذاتي للبلاد.

وقد أدى قرارها المتسرع برفع الدعم الحكومي عن شعير العلف إلى تفجر احتجاجات مربي المواشي والمزارعين في محافظة الأغواط جنوب العاصمة.

وكشف القرار عن عشوائية الخطط الحكومية وعدم دراستها للتأثيرات السلبية على نشاط تربية المواشي المنتشرة في المحافظات السهوبية الداخلية. وقد قفزت أسعار الشعير إلى الضعف، ما يهدد بتقليص النشاط وارتفاع الأسعار والقضاء على صغار المربين.

وأكد المحتجون رفضهم لتصريحات الأمين العام للفلاحين الجزائريين محمد عليوي، الذي أيد القرار الحكومي برفع الدعم عن أسعار شعير العلف، وبرر ذلك بالقضاء على شبكات الاحتكار والمضاربة، التي تهيمن على سوق الأعلاف وحتى المواد المدعومة من طرف الحكومة، وبكون القرار سيحرر السوق، وينهي عهد الثراء على حساب الفلاحين ومربي المواشي.

ونفى عليوي أن تكون للقرار تداعيات على الأسعار ونشاط تربية المواشي في ظل وفرة إنتاج البلاد من المواشي. وأشار إلى أن الموسم الماطر سيساعد على نمو المراعي الطبيعية في مناطق السهوب.

عيسى منصور: النموذج يتجاهل مخاطر تبذير المياه والأسمدة والبذور المعدلة جينيا

ورفض المحتجون تلك التصريحات وأكدوا أن المضاربة والاحتكار يجريان تحت أنظار الحكومة، وكان الأجدر بها محاربة الظاهرة وتقوية جهاز الرقابة، بدل ممارسة العقاب الجماعي على الناشطين في هذا القطاع.

وتؤكد البيانات المستقلة أن قطاع تربية المواشي لا يزال يعاني من معوقات عديدة، بينها انتشار شبكات المضاربة واحتكار الأعلاف وغياب استراتيجية لتقديم الخدمات والمختبرات البيطرية الحديثة وتطوير وتنويع الإنتاج والسلالات.

وتشير التقديرات إلى امتلاك الجزائر لثروة كبيرة من المواشي، وخاصة الماعز. ويصل عدد المربين إلى نحو مليون، يملكون ثروة تقدر بأكثر من 20 مليون رأس من المواشي.

وأشار الخبير الزراعي عيسى منصور إلى أن وزارة الفلاحة بررت الإجراء، بأنه استجابة لمطالب المربين من أجل القضاء على المضاربين الذين يتحكمون في السوق.

وأكد لـ”العرب” أنه من غير المعقول أن يطلب المربون ذلك، والأدق هو أنهم طالبوا بتدخل السلطات العمومية لضبط السوق وإيجاد آليات للتخلص من المضاربين الذين يفرضون شروطهم ويتحكمون في أسعار الأعلاف.

وقال إنه يعتقد أن الوزارة رأت في رفع تحرير أسعار الأعلاف حلا لمشاكل المربين وأنها لجأت إلى القرار السهل الذي لا يتطلب أي جهد ويخفف الأعباء المالية عن الحكومة، بدل تشديد إجراءات الرقابة ومعاقبة المتلاعبين بالأسعار المدعومة. وأكد أن القرار لن يحل المشكلة بل يزيدها تعقيدا وصعوبة.

محمد عليوي: رفع الدعم يستهدف محاربة الاحتكار والمضاربة والإثراء على حساب الفلاحين

وأشار منصور إلى أنه يبدو أن الحكومة تتجه “لإنشاء مشاريع فلاحية كبيرة تفوق مساحة الواحد منها 10 آلاف هكتار، وأنها خصصت بالفعل أكثر من 550 ألف هكتار في مناطق الجنوب لإنتاج الحبوب والبطاطا وتربية الأبقار المنتجة للحليب”.

وأوضح أن الحكومة أوكلت إنشاء تلك المشاريع إلى متعاملين محليين من القطاع الخاص أو بالشراكة مع شركات أجنبية، وهو ما يطرح عدة استفهامات حول مصير الناشطين الصغار في القطاع، باعتبارهم غير قادرين على مجاراة إمكانيات المتعاملين الكبار.

وأضاف أن “النموذج الجديد هو نموذج تجاري بحت، يتطلع إلى جني الأرباح، بغض النظر عن الوسائل، بما في ذلك الاستعمال المفرط للمياه الجوفية والأسمدة والمواد الكيماوية واستعمال البذور المعدلة جينيا، رغم الشكوك المثارة حول تأثيرها على صحة المستهلكين في شتى أنحاء العالم”. ورأى أن “إقامة تلك المشاريع العمـلاقة، مـن شـأنها إحـداث أضـرار بالتـركيبة الحـالية للقطاع الفلاحي في البلاد، المرتكز أساسا على استثمارات صغيرة ومتوسطة، أو بالأحرى فلاحـين صغار يستغلون أراضي ذات مساحات محـدودة، ما يجعل المنافسة غير متكافئة وتؤدي إلى آثار سلبية على الزراعة الريفية”.

وأكد أن مخاطر مشروع “زراعة الأعمال” تكمن في أن هذا النمط الجديد سيؤدي على المدى الطويل إلى استنزاف الموارد المائية الجوفية وتلويث البيئة، وقد سبق لنماذج مماثلة أن باءت بالفشل في العديد من الدول، كما حدث في السعودية والصين.

وقال إن “السعودية قامت في ثمانينات القرن الماضي بإقامة مشاريع مماثلة في الصحراء لإنتاج الحبوب. وقد وصلت بالفعل إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وحتى التصدير. لكن الآثار السلبية ظهرت في وقت لاحق حين انخفض منسوب المياه الجوفية إلى مستويات مقلقة”.

وأضاف أن ذلك دفع الرياض إلى منع زراعة الحبوب في معظم الأراضي، وأصبحت تبحث عن أراض خارج السعودية من أجل الاستثمار فيها لتعزيز الأمن الغذائي.

وأشار إلى أن الصين طبقت أيضا تلك التجربة وأنشأت مشروعات كبيرة لتربية الأبقار المنتجة للحليب يضم كل منها نحو 10 آلاف رأس، لكن التجربة فشلت لاحقا، وعادت الصين إلى نموذج المشاريع الأصغر التي تضم نحو 300 رأس من الأبقار.

10