الجزائر تحت حكم بوتفليقة: توتر وغموض ومستقبل مجهول

الاثنين 2014/06/16
الشارع الجزائري انتفض بقوة في وجه العهدة الرابعة لبوتفليقة

الجزائر- يستعرض الباحث عبد الناصر جابي في ورقة تحليلية الأساليب التي اتبعها بوتفليقة في كسب معركة الرئاسة رغم مقاطعة ملايين الجزائريين بعدما فقدت في نظرهم قيمتها كأداة لتداول السلطة، مع توسع دائرة المعارضة السياسية والشعبية للعهدة الرابعة.

بعد غموض طويل رافق غياب بوتفليقة في رحلة علاجه، عاد الرئيس المريض من جديد ليطل معلنا ترشحه لعهدة رئاسية رابعة، فجرت غضبا شعبيا في الشارع، ووجهت إليها المعارضة انتقادات حادة، حيث أطلق ترشح بوتفليقة للانتخابات موجة احتجاجات عارمة امتدت في جميع المدن الجزائرية.

وفي ظل الواقع الذي فرضه النظام الجزائري الذي استعد سابقا لمعركة الانتخابات والتي فاز بها فيما بعد بوتفليقة، يشكك المراقبون في مدى استعداد الشعب الجزائري لقبول النتائج التي تمخضت عنها لصالح بوتفليقة، رغم الهدوء الظاهر الذي يخيم على الجزائر، بعد موجة واسعة من الغضب والاحتجاجات.

فوز بوتفليقة كان متوقعا قبل إعلان النتائج .. ذلك ما اتفق عليه عدد كبير من الخبراء والباحثين والمعارضين، وهو ما جاء في محور دراسة تحليلية صادرة عن مبادرة الإصلاح العربي، حيث يؤكد الباحث عبد الناصر جابي أن بوتفليقة اعتمد وسائل عدة بعضها قديم مثل تحريك المال السياسي، وبعضها جديد مثل الفضائيات الخاصة.

ورغم كل الشكوك والإحباطات التي رافقت وتلت العملية الانتخابية، فإن الباحث يشير إلى تشكل نواة لمعارضة سياسية جديدة في الشارع، قد تستطيع أن تتلاقى مع الحركة المطلبية المتصاعدة في البلاد، عدا ذلك، ومع ضياع فرصة الانتخابات لصالح بوتفليقة، يحذر الجابي من تضاؤل فرص التغيير السلمي في الجزائر.

عكست الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها بوتفليقة ميزان القوى السياسية والإجتماعية داخل النظام السياسي الجزائري وبين مؤسساته، والذي برز بشكل واضح أثناء الانتخابات التي تميزت بظهور فاعلين سياسيين جدد على السطح، وهي دائرة موسعة جندها بوتفليقة لدعمه في الانتخابات كرجال الأعمال وزعماء أحزاب سياسية صغيرة ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات إعلامية، إضافة إلى المال العام الذي كان له الأثر في تفسير نتائج الانتخابات والتحالفات الحاصلة.


البداية كانت بالحكومة


ركز بوتفليقة على الوضع الأمني الذي تعيشه المنطقة للقيام بنوع من الابتزاز للجزائريين يخيرهم فيه بين الأمن والاستقرار الأقرب إلى الركود

تطرقت الورقة بعنوان “الجزائر: الرجل والنظام” إلى الخطوات والإجراءات التي اتخذها بوتفليقة متسلسلة والتي جعلته يفرض ميزان قوى لصالحه داخل مؤسسات النظام السياسي الجزائري المختلفة. وتشير الورقة إلى أن البداية كانت بالحكومة حيث تم تعيين وزير أول مقرب إلى الرئيس، كما تم تعيين قائد الأركان ذي الولاء الكامل للرئيس كنائب له على رأس وزارة الدفاع لضمان سيطرة بوتفليقة على الجيش. هذا بالإضافة إلى المكانة الخاصة لشقيق الرئيس الجزائري الذي أضحى الرجل الثاني في هرم السلطة.

كما بادر بوتفليقة إلى تعيين وزير أول جديد في شخص عبد المالك سلال في سبتمبر 2012 وقام بتعديل حكومته في أيلول 2013. حكومة سيطر فيها الرئيس الجزائري على الوزارات السيادية التي تسيّر مباشرة العملية الانتخابية، مثل وزارة العدل والداخلية والإعلام والمجلس الدستوري.

وقد عين على رأسها رجالا يدينون له بالولاء الشخصي المعتمد على العلاقة الجهوية والتي تعد من الممارسات الشائعة داخل النظام السياسي الجزائري.

جديد بوتفليقة أنه رسّخ حضورا قويا للعائلة، وهو ما لم يكن معروفا عن النظام السياسي الجزائري. فجعل الأخ الاصغر للرئيس والمستشار برئاسة الجمهورية، يتحول عمليا إلى الرجل الفعلي الثاني في هرم السلطة، بعد الرئيس مباشرة، مسبّقا إياه على الكثير من المسؤولين المعينين.

من جهة أخرى تمكن بوتفليقة من تعيين قائد الأركان، الفريق قائد صالح نائبا له على رأس وزارة الدفاع، وهي المرة الوحيدة في تاريخ المؤسسة العسكرية التي يجمع فيها عسكري بين هذين المنصبين المهمين. مما يمنحه قوة داخل المؤسسة وخارجها، حيث يحاول الرئيس استعمالها في مواجهة مدير المخابرات.

من جهة أخرى بدأت بوادر صراع خفي بين بوتفليقة ومدير المخابرات محمد بومدين المعروف بالجنرال توفيق، بعد أن تداول الفاعلون معطيات تكشف عن تحفظ مدير المخابرات عن ترشح الرئيس، ليس بسبب مرضه فحسب ولكن لأسباب متعلقة بالوضع الدولي الذي يضغط على الجزائر لمواكبة موجة التغيير والتداول السلمي على السلطة حتى لا تسقط فريسة للتحولات العنيفة التي شهدتها المنطقة.

العناصر التي جندها بوتفليقة في الانتخابات
◄ رجال الأعمال

◄ زعماء أحزاب سياسية صغيرة

◄ منظمات المجتمع المدني

◄ مؤسسات إعلامية

◄ توظيف المال العام

موقف رجل المخابرات القوي المنادي بالتغيير السلس في هرم السلطة إذا تأكد، هو نفسه الذي كان يطالب به جزء واسع من الرأي العام الجزائري. الصراع الخفي بين الرئيس ومدير المخابرات سرعان ما خرج إلى العلن عندما هاجم الأمين العام لجبهة التحرير الوطني عمار سعداني، المنتخب حديثا والمحسوب على أخ الرئيس المقرب منه.

وفي خضم تلك الصراعات، ركز الرئيس على تقوية العناصر الداعمة لحملاته الانتخابية، بعد تجنيده لرجال الأعمال الذين طلب من نقابتهم أن تتبنى موقفا واضحا من دعمه، مما جعلها تعيش وضعا صعبا أدى إلى عدّة استقالات وموجة تذمر بين أعضائها.

ولم يكتف بوتفليقة بالاستثمار في قطاع الأشغال العمومية، فقد خرج إلى المشهد السياسي الإعلامي بإصدار يوميتين وقناة تلفزيونية على غرار ترأسه لأحد أكبر النوادي الرياضية بالجزائر العاصمة وهو نادي اتحاد العاصمة، مما يؤهله وغيره من رجال الأعمال الذين يملكون نفس الاستراتيجية إلى الاستمرار بقوة في جزائر ما بعد رئاسيات 2014.


انتخابات 2014


نجح رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس في تكوين “قطب قوى التغيير” المكون من عدد كبير من الأحزاب الصغيرة والمتوسطة 11 حزبا، كما ضمت “تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي” عددا من الأحزاب و الشخصيات الوطنية

أكدت نتائج الانتخابات رغم الشكوك التي تحوم حول نتائجها الرسمية عدة اتجاهات منها ترسخ ظاهرة مقاطعة الانتخابات وعدم المشاركة فيها رغم الأرقام المعلنة بشكل رسمي.

وتؤكد هذه النتائج الرسمية المعلنة تقلص شعبية الرئيس الذي فقد خمسة ملايين صوت بين انتخابات 2009 و 2014. حيث تؤكد نتائج الانتخابات مرة أخرى نسب المشاركة الضعيفة التي لازمت المدن الكبرى و منطقة القبائل كبؤر للمطالبة والحراك السياسي.

من جهة أخرى فقد بينت الانتخابات الرئاسية في السنوات الأخيرة وكنتيجة مطلقة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي مست التشكيلة الجزائرية خلال أكثر من ثلاثة عقود، بروز فاعلين سياسيين جدد أطلوا برؤوسهم خلال الانتخابات موجهين رسالة واضحة إلى الجزائريين مفادها بأنه لا تعويل على الانتخابات كوسيلة للتداول السلمي على السلطة، وأن الجزائر لن تكون الاستثناء العربي الذي يغادر فيه الرئيس السلطة حتى وإن كان عاجزا بدنيا عن القيام بمهامه الدستورية كما هو الحال الذي ظهر عليه بوتفليقة يوم الاقتراع. فقد فشل السيناريو المتفائل الذي كان يؤمن بالتعويل على إمكانية التغيير السلمي بمناسبة تلك الانتخابات الرئاسية بعد أن وصل النظام السياسي الجزائري إلى مأزق فعلي في تسييره للبلد.

ورغم هذا الفشل فقد أدت تلك الانتخابات بكل الملابسات التي تمت فيها إلى تكوين أقطاب معارضة قوية و الأهم من ذلك، بروز حركية سياسية جديدة على مستوى الشارع الجزائري غابت عنه لعقود، إضافة إلى بروز حركة “بركات” وهي التي بادرت بالخروج إلى الشارع رغم محدودية تحشيدها و طابعها النخبوي المقتصر على الفئات الوسطى حتى الآن.

من جهته، نجح رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس في تكوين “قطب قوى التغيير” المكون من عدد كبير من الأحزاب الصغيرة والمتوسطة 11 حزبا، كما ضمت “تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي” عددا من الأحزاب و الشخصيات الوطنية.

هذه الأقطاب الحزبية و”الجمعياتية”، تضم لأول مرة أحزابا ومرجعيات فكرية مختلفة كانت في السابق ترفض العمل السياسي المشترك بينها، وهي انقسامية سياسية بأبعاد ثقافية داخل النخبة السياسية، لكن تأخير التغيير لسنوات كان من أسباب عدم فاعليتها.

تؤكد نتائج الانتخابات مرة أخرى نسب المشاركة الضعيفة التي لازمت المدن الكبرى ومنطقة القبائل كبؤر للمطالبة والحراك السياسي

وتشير الدراسة إلى أن بوتفليقة قد ركز في حملته الانتخابية على الوضع الأمني الذي تعيشه المنطقة للقيام بنوع من الابتزاز للجزائريين يخيرهم فيه بين الأمن والاستقرار الاقرب إلى الركود، أي استمراره في الحكم على الرغم من عجزه، أو الفوضى وعدم الاستقرار كما هو حاصل في دول الجوار.

ويخلص الباحث إلى أن كل الاحتمالات تبقى واردة في الجزائر داخليا، بعد انتصار هش حققه بوتفليقة، في ظل احتقان شعبي كبير في الشارع الجزائري وقلق على مستقبل البلاد التي قد تتجه نحو حسم خلافاتها السياسية في الشارع عن طريق العنف، وهذا سيكون واردا جدا في الفترة المقبلة في حالة عدم التقاء الحراك السياسي الذي ظهر بمناسبة الانتخابات، مع اتساع الحركات الاجتماعية المطلبية التي عرفها الشارع الجزائري بقوة في السنوات الأخيرة.

7