الجزائر تحذر قناة فرانس 24 من التحيز في تغطية الحراك

تغطية الإعلام الفرنسي تغضب حتى الناشطين.
الاثنين 2021/03/15
الحراك يرفض الإعلام الموجه في الداخل والخارج

تبدي السلطات الجزائرية انزعاجا كبيرا من تغطية وسائل إعلام فرنسية للحراك الشعبي والأوضاع عامة في البلاد، ولوحت بإيقاف عمل قناة فرانس 24 بسبب ما اعتبرته انحيازا صارخا في تغطيتها للحراك الشعبي، في حادثة تكررت العام الماضي مع قناة فرنسية أخرى لكن الانتقادات كانت من قبل الناشطين.

الجزائر - هددت وزارة الاتصال الجزائرية بسحب اعتماد قناة فرانس 24 الدولية “نهائيا” بسبب ما اعتبرته “تحيزا صارخا” في تغطيتها لمظاهرات الحراك الشعبي، وهي ليست الحادثة الأولى التي تعبر فيها السلطات عن رفضها لتقارير إعلامية فرنسية بشأن الأوضاع في الجزائر.

وقالت الوزارة في بيان إن “إنذارا أخيرا قبل سحب الاعتماد نهائيا قد وجه لقناة فرانس 24”.

وأضافت أن “تحيّز قناة فرانس 24 في تغطية مسيرات الجمعة صارخ من خلال الذهاب دون رادع إلى استعمال صور من الأرشيف لمساعدة البقايا المناهضة للوطنية المشكلة من منظمات رجعية أو انفصالية ذات امتدادات دولية”.

ويلمح البيان إلى حركة “رشاد” الإسلامية و”الحركة من أجل تقرير المصير في منطقة القبائل” الانفصالية، وكلتاهما محظورتان في الجزائر، وهو ما يفسر مدى انزعاج السلطات الجزائرية من تغطية القناة الفرنسية.

واستدعى وزير الاتصال والمتحدث باسم الحكومة عمار بلحيمر مكتب فرانس 24 المعتمد في الجزائر لتحذيره “مما يبدو أنه نشاط تخريبي يتجلى في ممارسات غير مهنية معادية لبلادنا”، وفق ما أفادت وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية.

وبحسب الوزارة فإن “خط تحرير قناة فرانس 24 قائم على شعارات معادية لبلدنا واستقلاله وسيادته ومصالحه الأمنية وجيشه الوطني الشعبي”.

مارك صيقلي: نحاول القيام بعملنا بأمانة قدر الإمكان وفقا للقواعد المعمول بها
مارك صيقلي: نحاول القيام بعملنا بأمانة قدر الإمكان وفقا للقواعد المعمول بها

وقال الوزير “هناك إصرار مهما كلف الأمر على إثارة تقلبات مفبركة مضادة للثورة بإيعاز من منظمات غير حكومية ذات صيت في باريس وغيرها من العواصم الأوروبية”، في إشارة إلى منظمتي مراسلون بلا حدود والعفو الدولية.

من جهته قال مدير فرانس 24 مارك صيقلي “نحاول القيام بعملنا بأمانة قدر الإمكان. نقوم بعملنا كصحافيين وفقا للقواعد المعمول بها”.

وأضاف “ليس لدينا تحيّز أو أجندة تهدف إلى الإضرار بأي طرف”.

ومن غير المرجح أن تنفذ السلطات الجزائرية تهديدها وتلغي عمل القناة، إذ يبدو أنها تتخذ نهجا مهادنا مع وسائل الإعلام والصحافيين والمراسلين في ظل التطورات وعودة الاحتجاجات، وفي نفس الوقت فرضت مجموعة من الإجراءات والقيود تمارسها وقت الحاجة للحد من التقارير المنتقدة إذا تجاوزت السقف المفروض.

ففي يوليو الماضي اعتقلت السلطات ليوم واحد منصف آيت قاسي المراسل السابق لقناة فرانس 24 في الجزائر والصحافي والمنتج رمضان رحماني بتهمة التعاون من دون اعتماد مع قناة تلفزيونية أجنبية، والحصول على تمويل أجنبي واستلام أموال من الخارج لدعم مشاريع سياسية من شأنها المساس بالمصلحة الوطنية، رغم أن المراسل آيت قاسي كان قدم طلباً لدى السلطات للحصول على اعتماد، لكنه لم يتلق أي رد من الوزارة.

ومارست قناة فرانس 24 ضغطاً كبيراً على السلطات الجزائرية، ونقلت مطالب إلى وزارة الخارجية الفرنسية للتدخل لدى السلطات الجزائرية لإخلاء سبيل آيت قاسي ورحموني الذي كان المشرف على معدات تصوير وترتيب الحوار الصحافي الأخير الذي أجرته القناة مع الرئيس عبدالمجيد تبون في الرابع من يوليو الماضي.

وتخضع وسائل الإعلام الأجنبية لاسيما الفرنسية العاملة في الجزائر منذ سنوات لإجراءات اعتماد بيروقراطية وصعبة، حيث لم يحصل مدير مكتب وكالة فرانس برس في الجزائر فيليب أغريه على اعتماد من السلطات منذ تعيينه في أكتوبر 2019.

غير أن الإعلام الفرنسي يواجه حساسية ليس فقط من قبل السلطات، لكن حتى ناشطي الحراك سبق أن أبدوا رفضهم لتقارير إعلامية اعتبروها غير منصفة لهم ولبلادهم.

Thumbnail

فقد أثارت قناة فرانس 5 غضب ناشطين وصحافيين في تغطيتها للحراك الشعبي، واعتبروا أن القناة تقوم بتشويه نضالهم عبر فيلم وثائقي تحت عنوان “الجزائر حبيبتي” لمخرجه ومنتجه الصحافي الفرنسي جزائري الأصل مصطفى كسوس.

وقدم الوثائقي في 72 دقيقة شهادات لشباب جزائريين حول الحراك والديمقراطية والحرية وأحلامهم، أما سبب الاستياء والرفض فيعود لما تضمنه الوثائقي من مشاهد أظهرت الشباب المشاركين في الحراك وهم يحتسون الكحول، وتبرز موضوع الكبت الجنسي لديهم، كما تظهر فتيات يدخنّ في إشارة إلى الرغبة في اعتماد نمط حياة يكرس المساواة.

يضاف إلى ذلك تلخيص مطالب الحراك في بحث الشباب عن الحرية خارج القيود الاجتماعية، علاوةً على تعليقات تحذر من التطرف الإسلامي على غرار ما حدث في تسعينات القرن الماضي، وهو ما رأى فيه ناشطون “تشويها من القناة للحراك الشعبي الجزائري وسقوطا مهنيا من قبلها”.

ونهاية مارس 2020 استدعت الخارجية الجزائرية سفير فرنسا السابق لديها كزافيي دريونكور احتجاجا على تصريحات لأحد الباحثين وصفتها بـ”الكاذبة” ضد السلطات الجزائرية على قناة فرانس 24 بشأن مكافحة فايروس كورونا.

عمار بلحيمر: خط تحرير قناة فرانس 24 قائم على شعارات معادية لبلدنا واستقلاله
عمار بلحيمر: خط تحرير قناة فرانس 24 قائم على شعارات معادية لبلدنا واستقلاله

وقالت الوزارة في بيان آنذاك إن “وزير الشؤون الخارجية صبري بوقادوم استدعى سفير فرنسا بالجزائر على إثر التصريحات الكاذبة والبغيضة والقذف الذي طال الجزائر وسلطاتها في أحد البلاتوهات (البرامج) التابعة لقناة تلفزيونية عمومية (حكومية) فرنسية”.

واستضافت قناة فرانس 24 حينها باحثا من فرنسا يسمى فرانسيس جيلاس زعم أن السلطات الجزائرية حولت مساعدة من الصين لمواجهة الفايروس إلى مستشفى عسكري في العاصمة وأنه يوجد إهمال للسكان.

وتشهد العلاقات الجزائرية – الفرنسية منذ سنوات حالة من الشد والجذب، ولطالما شكلت ملفات الذاكرة المرتبطة بالحقبة الاستعمارية الفرنسية للجزائر (1830 – 1962) نقطة الخلاف بين البلدين.

ومن آن إلى آخر تُشهر الجزائر ورقتي “الذاكرة” و”السيادة” في وجه باريس، بينما دخل الإعلام الحكومي الفرنسي على الخط من خلال معالجة مكثفة للشأن الجزائري بشكل أثار غضبا رسميا وحتى شعبيا في الجزائر.

لكن على أرض الواقع تبقى ظروف عمل الصحافيين الجزائريين صعبة بتعرضهم إلى ملاحقات قضائية وعقوبات بالسجن على خلفية عملهم الصحافي.

وقالت وكالة فرانس برس إنه خلال المسيرة الأسبوعية للحراك الشعبي تعرض صحافيون وناشط من الحراك لاعتداءات عنيفة من جانب مجموعة من “البلطجية” بحسب ما أفادت اللجنة الوطنية للإفراج عن المعتقلين وهي جمعية تدعم سجناء الرأي.

وهاجم متظاهرون الجمعة فريقا من فرانس 24، وهذه ليست أول مرة يظهر فيها متظاهرون عداء حيال وسائل الإعلام التي يتهمونها بالتحيّز للسلطة.

ويتهم بعض النشطاء صحافيين يعملون في وسائل إعلام فرنسية بأنهم ممثلون للبلد الذي يعتبرونه داعما للرئيس عبدالمجيد تبون.

وجاءت الجزائر في المرتبة 146 من بين 180 دولة للتصنيف العالمي لحرية الصحافة الصادر عام 2020 عن منظمة مراسلون بلا حدود، متراجعة بـ27 مرتبة مقارنة مع تصنيف عام 2015.

18