الجزائر: تحذير أم تخدير

المقصود من سيل تحذيرات بوتفليقة تخويف المواطنين على نحو يضمن توجيه ضربة استباقية لأي معارضة ميدانية يمكن أن تقوم بتحويل شعاراتها الرافضة للسياسات الراهنة إلى فعل تمردي في الجزائر العميقة.
الخميس 2018/03/29
قطع الطريق على حركة "الماك" الأمازيغية

كيف نقرأ التحذيرات المتكررة التي تصدر عن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وآخرها تحذير السبت الماضي الذي أشار فيه إلى وجود تهديدات تتربص بالجزائر، هل هناك أخطار خارجية حقيقية تستهدف الجزائر، ولماذا لم يحدد الرئيس الجزائري بوضوح مصادرها بالاسم سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي ماعدا الاكتفاء بتلميحات يغلب عليها التجريد وطابع العمومية؟

يشدّد الرئيس بوتفليقة في تحذيراته على ضرورة “التماسك الاجتماعي والمحافظة على الوحدة الوطنية والتقليل من أوضاع التشنج والمواقف المسبقة التي قد تضر بالتوافق المجتمعي الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه في مثل هذه الأوقات”، علما أن المشكلة الجوهرية التي تعاني منها الجزائر في ظل النظام الجزائري هي تفكك وحدة البنية الاجتماعية بفعل تفاقم التفاوت الاقتصادي بين الشرائح الاجتماعية فضلا عن بروز ظاهرة النزعة الفردية اللاغية لكل ما هو مشترك في المجتمع الجزائري.

وهنا يطفو إلى السطح هذا السؤال: لماذا يدعو بوتفليقة إلى التماسك الاجتماعي في الوقت الذي تشهد الجزائر تفككا أسريا وتحطيما للقيم الوطنية وذلك جراء السياسات الخاطئة التي ما فتئت تعبث حتى  بالمخزون الأخلاقي الوطني التقليدي؟

وفي سياق آخر، يبدو للمراقب السياسي أن تحذيرات بوتفليقة بخصوص مشكلة الهوية الوطنية التي يحدد مكوناتها ومرجعياتها في الثالوث النمطي: الإسلام والعروبة والأمازيغية ترمي في العمق إلى قطع الطريق على حركة “الماك” الأمازيغية التي تقلق خطاباتها ذات النزعة الانفصالية مؤسسة الرئاسة والأجهزة الأمنية بشكل خاص.

لكن، هذا الثالوث تعب منه الجزائريون لأنه أصبح بمثابة قناع توظفه السلطات الجزائرية غالبا للتغطية على تصدع الأخلاقيات السياسية على مستوى الهرم الأعلى للحكم، وانتشار الأزمة الاقتصادية وضعف مستوى المعيشة بين أوساط الشرائح الفقيرة التي تشكل أغلبية سكان البلاد.

ومن المدهش أن بوتفليقة يحذر المواطنين أيضا من المنافسة الدولية وتضارب المصالح الاقتصادية ويعتبرها من بين المخاطر الخارجية التي تهدد الجزائر علما أن النظام الجزائري قد فتح كل الأبواب لعبث الشركات متعددة الجنسيات باقتصاد البلاد وفي المقدمة الغاز والنفط.

النظام الحاكم في الجزائر تمكن من تفعيل حيل كثيرة لتهدئة الأجواء وتجميد أي تحرك شعبي وذلك منذ بدء الثورات العربية واستخدم في ذلك عدة آليات رمزية ومادية

من الملفت للنظر أن المقصود من سيل تحذيرات الرئيس بوتفليقة هو تخويف المواطنين على نحو يضمن توجيه ضربة استباقية لأي ممارسة ميدانية معارضة جادة يمكن أن تقوم بتحويل شعاراتها الرافضة للسياسات الراهنة إلى فعل تمردي في الجزائر العميقة.

في هذا المناخ يبدو أن خطاب النظام الجزائري لا يزال يراوح مكانه حيث لم يتطور إيجابيا قيد أنملة. وهكذا يلاحظ أن كل الذي يهم مؤسساته المركزية المتحكمة في مفاصل الدولة، وفي مقدمتها رئاسة الجمهورية والحكومة التنفيذية وأحزاب الموالاة، هو تسيير الأزمة المركبة وفق الايقاع الذي يريده صقور هذا النظام وذلك من أجل ضمان التهدئة حتى تجري الانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2019 في مناخ يكرَس فيه استمرار نفس الوجوه ونفس السياسات وبنيات السلطة ذاتها.

لا شك أن النظام الحاكم في الجزائر قد تمكَن فعلا من تفعيل حيل كثيرة لتهدئة الأجواء وتجميد أي تحرك شعبي وذلك منذ بدء ما يسمى بالثورات العربية واستخدم في ذلك عدة آليات رمزية ومادية مثل تمويل مشاريع الشباب وتوظيف نسبة من العاطلين عن العمل في وظائف مؤقتة وبمرتبات شكلية وحل بعض المشكلات ذات الصلة بالبيروقراطية التي تعشعش في مختلف أجهزة الدولة.

إلى جانب هذا، لعب النظام الجزائري ولا يزال يلعب بشكل مثابر على استغلال ما يصطلح عليه بثالوث الهوية الوطنية النمطية وتمكّن بواسطة ذلك من سحب البساط من تحت أقدام التيارات الإثنية والعلمانية والدينية المتمثلة في التيار الأمازيغي المتطرف الذي يطالب بالحكم الذاتي حينا وبالانفصال حينا آخر، والتيار الإسلامي الإخواني ذي الانتماءات والمرجعيات الإسلامية العابرة للقارات وللثقافات، والتيار اللائكي الذي يطالب بالدولة الدنيوية المحضة.

بواسطة اعتراف النظام الجزائري باللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية، أستطاع النظام أن يفرغ القضية الأمازيغية من حمولتها النفسية وتعقيداتها وبذلك حيَد ما لا يقل عن 9 ملايين جزائري ناطق بالأمازيغية من التعبئة السياسية ضده ولقد توَج هذا بشراء عدد من الرموز التقليديين في الحركة الأمازيغية الراديكالية بالمناصب الوزارية والبرلمانية أو بملء جيوبهم بالمال وتحصينهم بالنفوذ الرمزي.

اشتغال النظام الجزائري على تدجين دعاة البعد الإثني الأمازيغي متزامن أساسا مع تنفيذ سلسلة من عمليات ليَ ذراع أطياف الحركة الأصولية الإسلامية بشكل ناعم وذلك عن طريق تشتيتها بمنهجية مركزة وبتطبيق عدة حيل وآليات منها فتح المجال واسعا لتكوين أحزاب مجهرية كثيرة ومتطاحنة في ما بينها، فضلا عن لعب ورقة الزوايا الدينية وفي مقدمتها الزاوية التيجانية ذات الانتشار الواسع في الجزائر.

وفي الحقيقة فإن هيمنة السلطات الجزائرية على الطرق الصوفية، والزوايا الدينية واستقطابها إلى صفها عن طريق تمويلها والأخذ برأيها ورغباتها في تعيين وترشيح المسؤولين الكبار في مختلف المؤسسات العليا للدولة كالبرلمان ومجلس الوزراء ومجلس الأمة والسلك الدبلوماسي والمجالس العليا وغيرها، جرَّد الأحزاب الإسلامية الجزائرية المشتتة من العمق الشعب التقليدي وبذلك أصبحت مجرَد كانتونات يعوزها العنصر البشري المنتمي إليها والذي يساهم بقوة في تقرير وتعديل موازين القوى في المشهد السياسي الجزائري.

8