الجزائر تخوض معركة خاسرة في قطاع صناعة السيارات

شكك اقتصاديون في جدوى خطط الحكومة الجزائرية للتوسع في صناعة السيارات، وأكدوا أن البيانات تشير إلى أن تكلفة تجميع السيارات في البلاد تفوق تكاليف استيرادها وبنوعيات أفضل، الأمر الذي يمكن أن يفاقم أزمات البلاد الاقتصادية.
الاثنين 2018/01/22
نبتة غريبة في مناخ أعمال مرتبك

الجزائر - تصاعدت انتقادات الخبراء لإصرار الحكومة الجزائرية على توسيع صناعة السيارات في البلاد. وقالوا إنها تدير هذه البرامج بسياسات مرتبكة غير قادرة على جذب المستثمرين الأجانب إلى السوق المحلية.

وتُواجه صناعة تجميع السيارات بالجزائر منذ أشهر أزمات متلاحقة ومعقدة ولا سيما بعدما عدلت الحكومة عن قرارها بتحديد عدد المصانع المرخص لها بالنشاط في البلاد.

ويؤكد الخبراء إن العقبات الكثيرة في مناخ الاستثمار تجعل تكلفة تجميع السيارات في الجزائر أعلى من فاتورة استيرادها بنوعية أفضل، الأمر الذي يجعل تحقيق أهداف الحكومة المعلنة بالتحول إلى مركز لتصنيع وتصدير السيارات في غاية الصعوبة.

بشير مصيطفى: ارتباك الحكومة بخصوص منح التراخيص قد يكون مدفوعا بصعوبات مالية

وقررت الحكومة منتصف شهر ديسمبر الماضي، حصر نشاط تجميع السيارات في 10 تراخيص فقط، نصفها لتجميع السيارات الصغيرة ونصفها الآخر لتجميع الشاحنات والحافلات والسيارات المخصصة لنقل البضائع.

لكن الحكومة عادت بعد أيام وجمدت قرارها حتى نهاية يناير الجاري، في أعقاب احتجاج عدد من علامات كبرى على استبعادها من النشاط، وإضافة علامات أخرى للقائمة.

وبررت السلطات قرارها قبل التراجع عنه، بانعكاسات محتملة لنشاط التركيب والتجميع على نزيف النقد الأجنبي للبلاد، من خلال تعدد وكثرة الوحدات وضعف نسبة الإدماج وتحول النشاط لبوابة جديدة للاستيراد.

وتلقت وزارة الصناعة حتى الشهر الماضي، نحو 89 ملفا يتعلق بتركيب السيارات وقطع الغيار للمركبات بمختلف أصنافها وأحجامها.

وانقسمت آراء الخبراء بين مؤيد ومعارض، إذ رأى البعض أن الحكومة تراجعت أمام ضغوط شركات السيارات التي تم إقصاؤها، فيما رأى آخرون أنها خطوة لإعادة التصحيح وإشراك أكبر عدد من العلامات صاحبة المشاريع الجادة.

ويطفو على السطح جدل بين الفينة والأخرى منذ العام الماضي، بسبب تسريبات لصور واتهامات لمصانع بمخالفتها دفتر الشروط، واستيراد مركبات جاهزة تقريبا في حاويات، وتسويقها على أنها مركّبة محليا.

ويقول الخبير الاقتصادي الجزائري بشير مصيطفى إن تراجع الحكومة عن قرارها ربما جاء كنوع من التصحيح بعد حصولها على معطيات ومعلومات جديدة. وأشار إلى أن الحكومة على دراية بتفاصيل السوق ومن الممكن أن يكون قرار التعديل والتجميد مدفوعا بصعوبات مالية لاحت في الأفق أو مشاكل في العقار الصناعي أو في العقود المبرمة التي تتضمن تقييدا لعلامات معينة.

ويرى وزير الاستشراف الأسبق أن قرارات الحكومة جاءت كإجراءات وليس كسياسات، ولذلك من الطبيعي جدا أن تعدل وتصحح.

وخلال العام الماضي، اضطرّت الحكومة إلى تجميد دفتر الشروط الخاص بنشاط تركيب وتجميع السيارات، وأفرجت عن دفتر جديد يتضمن إجراءات لتنظيم السوق مطلع ديسمبر من ذات العام.

حميد عباسن: تخبط الحكومة يعيد إلى الواجهة غياب المشاورات مع الفاعلين في القطاع

ومن بين ما نص عليه الدفتر الجديد، شرط بلوغ نسبة إدماج لا تقل عن 15 بالمئة في غضون السنوات الثلاث الأولى من النشاط، وضرورة بلوغ نسبة 40 إلى 60 بالمئة في غضون السنة الخامسة.

ويرى الصحافي المتخصص في سوق السيارات حميد عباسن أن الخطوة الأخيرة للحكومة تجعلها محل تهمة بكونها مغامرة، وأن هناك تدخلا من جماعات الضغط والمصالح في القرارات الاستراتيجية للبلاد.

وأكد أن الإعلان عن الإجراء وإلغائه فيما بعد، يضع جدية الحكومة على المحك في ما يتعلق بتسيير الورشات الاقتصادية الكبرى للبلاد. وقال إن “التراجع يجعل المستثمرين الأجانب، يتلقون صورة سلبية عن تسيير الشأن العام في الجزائر”.

وشدد عباسن على أن تخبط الحكومة يعيد إلى الواجهة غياب المشاورات مع الفاعلين في القطاع، إضافة إلى نقص التنسيق ما بين الوزارات وسيطرة جماعات الضغط.

وتعتبر الجزائر السوق الثانية للسيارات في القارة الإفريقية بعد جنوب إفريقيا، حيث تشير بيانات رسمية إلى أن وارداتها بلغت في عام 2013، ما يقارب 6.5 مليارات دولار بعد أن استوردت نحو 600 ألف سيارة.

لكن سعي الحكومة لتنظيم السوق اعتبارا من عام 2014 بعد بداية الأزمة النفطية، التي كبدتها خسائر كبيرة تمثلت في فقدانها قرابة نصف احتياطاتها النقدية من العملة الصعبة، قلص كثيرا من واردات البلاد للسيارات.

ولم تستورد الحكومة العام الماضي أي سيارة عبر النقد الأجنبي المحول عبر البنوك المعتمدة، واقتصرت العملية على عملية استيراد فردية للمواطنين بمالهم الخاص من دول أوروبية وخصوصا فرنسا.

وتسببت الإجراءات المتخذة من طرف الحكومة في ندرة المركبات الجديدة والتهاب أسعارها، كما تأثر سوق السيارات المستعملة هو الآخر، حتى أصبح شراء سيارة قديمة بمثابة حلم للكثير من الجزائريين بعد أن تضاعف سعرها في غضون ثلاث سنوات.

ومع ذلك، يتوقع محمد بايري الرئيس الأسبق لجمعية وكلاء السيارات وصاحب مصنع “إيفيكو” للشاحنات، انخفاض أسعار السيارات بما يصل إلى نحو 20 بالمئة خلال العام، بناء على الإجراءات الحكومية الأخيرة.

10