الجزائر تراجع الصفقات العامة لضمان شفافية الإنفاق

ضغوط الاحتجاجات تجبر الحكومة على التحرك لتطويق الجرائم الاقتصادية.
الجمعة 2020/02/21
محاولات للتضييق على الفاسدين

عززت الحكومة الجزائرية إجراءات الرقابة المالية بإعلان مراجعة الصفقات العامة في محاولة لضبط الإنفاق العام ومحاربة الغش والفساد وتعزيز الشفافية، في استجابة مباشرة لأحد أبرز مطالب الحراك الشعبي المتواصل منذ العام الماضي.

الجزائر - كثفت السلطات الجزائرية تحركاتها لامتصاص غضب الحراك الشعبي تحت يافطة محاربة الفساد، الذي جثم على صدور المواطنين طيلة عقود من حكم الرئيس الأسبق عبدالعزيز بوتفليقة.

وكان الوزير الأول عبدالعزيز جراد قد كشف الأحد الماضي أن “الحكومة ستراجع قانون الصفقات العامة لضمان النزاهة في إنفاق المال العام وترسيخ الشفافية التامة على الطلبات العامة وترشيد النفقات”.

ونسبت وكالة الأنباء الرسمية لجراد قوله خلال جلسة بالبرلمان إن ”مخطط عمل الحكومة يشمل عددا من الأدوات ذات الطابع النوعي، ولا يقتصر على برنامج استثمارات عامة ذات طابع محلي”.

وتمثل الصفقات العامة أحد أبرز الملفات، التي تتضمن شبهات فساد كبيرة نظرا للتلاعب بالمال العام في إنشاء مشاريع فاقدة للقيمة الاقتصادية والاجتماعية حيث تعقد الصفقات وفق مصالح المتنفذين والمحسوبية.

عبدالعزيز جراد: سنستعيد الأرصدة والأموال المنهوبة في قضايا فساد
عبدالعزيز جراد: سنستعيد الأرصدة والأموال المنهوبة في قضايا فساد

ويرى خبراء أن الخطوة تعكس رغبة السلطة في تهدئة الغضب الشعبي، الذي يواصل ضغطه على الحكومة مطالبا بتنفيذ إصلاحات جذرية تقطع مع الماضي وتكافح كل أشكال الفساد والتلاعب بالمال العام.

وتبدو مسألة رقمنة الاقتصاد المعتمد على عوائد النفط والغاز بشكل كبير أحد أهم الخطوات، التي يفترض أن تركز عليها السلطات في الوقت الحالي لمكافحة الفساد، الذي ينشأ داخل بيئة القطاع الموازي، وبالتالي قطع الطريق أمام المتعاملين معه بشكل كامل.

وهناك إجماع شبه كلي داخل الأوساط الاقتصادية الجزائرية على أن اعتماد التكنولوجيا سيتيح للسلطات معرفة تحركات الأموال وفق أعلى المعايير الدولية.

وهذا الموقف عززته تأكيدات جراد على أن “المخطط الحكومي سيشمل أيضا إصلاحات هيكلية عديدة في جميع المجالات، لن تكون امتدادا للعمليات التي تم تنفيذها سابقا”.

وأوضح أن “الأمر يتعلق بمسعى جديد ومنهجية جديدة وتركيز أجهزة ترمي إلى إعادة تحديد الأولويات”.

وبالتوازي مع هذه المساعي سيتم إعداد مخطط لتطوير الإحصاء لتحيين المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية وسيشمل فحصا عاما للأوضاع حسب كل قطاع وكل محافظة لتحديد صورة موضوعية ودقيقة لواقع التنمية واستخلاص النقائص والفوارق.

كما سيتم تحليل النتائج التي ستنبثق عن الفحص العام لهذه الأوضاع وتحديد الأولويات التي لها أثر اجتماعي حقيقي، وضبط وسائل التمويل لرصد الموارد الإضافية ورفع إيرادات الموازنة والاقتصاد في هذه النفقات.

وأكد جراد أن الأموال التي سيتم توفيرها في عمليات التدقيق العام للقطاع الاقتصادي سيتم استخدامها لتمويل الخزانة العامة وإعادة توازن حسابات صندوق التقاعد لسد الفجوة المالية فيه.

وستشمل إجراءات التدقيق الإعفاءات والمزايا الضريبية وإعادة النظر في النفقات العامة خصوصا، التي أسندت للبرامج فاقدة للقيمة الاقتصادية والاجتماعية.

وشدد جراد على التزام الحكومة بمراقبة الحسابات الخاصة للخزانة العامة ومكافحة السوق الموازية والغش والتهرب الضريبي. وأكد أن “الحكومة لن تدخر أي جهد في محاربة الفساد بكافة أنواعه”.

وكان الحراك الشعبي قد طالب خلال مظاهرات حاشدة الأسبوع الماضي بمحاسبة كل أفراد المنظومة السابقة الفاسدة المرتبطة ببوتفليقة طيلة فترة حكمه وباسترجاع الأموال المنهوبة وحجز الممتلكات المشبوهة.

وفي سياق برنامج الإصلاح الاقتصادي، تعكف الحكومة على وضع أسس مستدامة تقوم على ضمان الأمن الغذائي والتحول إلى الطاقة النظيفة والتطور الرقمي وإدخال إصلاحات عميقة للنظام المالي وإعادة هيكلة النظام الجبائي.

وأعلن جراد عن إقرار قواعد بديلة لتسيير الموازنة حيث تكون مبنية على نظام إحصائي مبتكر ودقيق فضلا عن وضع قواعد صارمة في الهندسة المصرفية والمالية لمنع محاولات التلاعب بالمال العام.

وتحاول السلطات بعد انتخاب الرئيس عبدالمجيد تبون نهاية العام الماضي، إلى إحداث اختراق في الأزمات الاقتصادية للدولة النفطية العضو في منظمة أوبك من خلال التركيز على الابتكار والسياحة، التي توفر إدماج الكفاءات البشرية المحلية بنسبة عالية، فضلا عن تشجيع الإنتاج المحلي وحمايته.

وسبق أن راجعت الحكومات المتعاقبة في عهد بوتفليقة العديد من القوانين بهدف دمج النشاطات الموازية ورفع قيمة الصادرات المحلية وخفض حجم الواردات والعجز التجاري.

وبحسب أحدث البيانات، فقد بلغت نسبة العجز التجاري نحو 34.8 في المئة جراء تراجع صادرات الطاقة والفجوة المالية في التوازنات بسبب تبخر النقد الأجنبي.

وتشكل البطالة إحدى المشاكل التي تسعى الحكومة إلى حلها، إذ أكد جراد أنه سيتم العمل على توفير فرص وظيفية وفق مقاربة اقتصادية نوعية تهدف إلى إدماج العاطلين في سوق العمل.

والتزمت الحكومة منذ توليها السلطة قبل أسابيع بمراجعة الأجور القاعدية المضمونة وتخفيف العبء الضريبي على الأجور الضعيفة والتكفل بالمحتاجين ولاسيما المسنين وذوي الاحتياجات الخاصة مع المحافظة على منظومة الضمان الاجتماعي والتقاعد ودعمهما ومنح السكن لذوي الدخل المحدود.

وامتدت الأزمة الاقتصادية وتداعيات سوء التسيير الإداري والمالي إلى الصناديق الاجتماعية، حيث تعاني من أزمة غياب التمويل ما جعلها تفشل في عديد المناسبات في صرف مستحقات المضمونين الاجتماعيين.

ويراقب الجزائريون تنفيذ الحكومة وعودها عبر ضخ الاعتمادات المالية اللازمة لتجسيد المشروعات التنموية بالتركيز على المجالات الحيوية.

11