الجزائر تستحضر آلام العشرية السوداء: قرينة غياب الاعتراف بالآخر

الثلاثاء 2014/05/13
تمثال تشارلز لافيجري يوضع لأول مرة أمام كنيسة نوتردام أفريقيا في العاصمة الجزائرية دلالة على مضي الجزائريين في خيار التعايش

الجزائر - بقدر ما أفزعت العشريّة الدّمويّة التي مرّت على الجزائر في تسعينات القرن الماضي العالم، وهزّت وجدان الأمم وطرحت أكثر من سؤال مُتعلّق بكيفيّة بناء مجتمعات متنوّعة متعايشة في ما بينها، تقبلُ الاختلاف وتحترم المعتقدات والأديان، مُجتمعات تنبذ العنف وتنزع إلى إحلال السلام، إلاّ أنّها اليوم وبعد مرور عقدين من الزمن، أضحت تُبين في وجهها الآخر عن أمل يُبشّر بمستقبل أفضل من خلال طيّ صفحة الماضي والبناء على ما قُوّض على أساس التسامح والتّحابب.

بعد مرور 20 سنة عن اغتيال راهبين مسيحيين، خلال العنف الإسلامي الذي شهدته الجزائر في فترة التسعينات، يواصل راهب وراهبة عملهما لمساعدة طلاب الثانويات بحي القصبة العتيق، وهو مؤشر على الهدوء الذي يسود العلاقة القائمة بين الكنيسة والسلطات الجزائرية والشعب الجزائري ذو الأغلبيّة المُسلمة.

وكثيرا ما يتم الحديث عن رهبان تيبحيرين السبعة، لكن أول راهبين قتلا في الجزائر كانا هنري فرجيس وهيلين سان ريمون، في 8 مايو 1994، لتضاف إليهما قائمة طويلة من 19 راهبا اغتيلوا في الجزائر خلال العشرية الحمراء (1992-2002)، التي أسفرت عن 200 ألف قتيل بحسب الأرقام الرسمية.

وفي ذلك اليوم أوقفت رصاصاتان أطلقهما إسلاميون متشدّدون على كل من الراهبين، عمل إرسالية الراهب ماريست في المكتبة التي كانا يساعدان فيها طلاب حي القصبة العتيق على التحضير لامتحان البكالوريا (الثانوية العامة).

ومثلما كان الشأن بالنسبة إلى الرهبان السبعة في دير سيدة الأطلس بتيحيرين، كان الراهبان المذكوران سلفا يعرفان أن حياتهما في خطر، لكنهما اختارا البقاء في الجزائر في وقت هدّد فيه الإسلاميون المسلحون كل الأجانب وأمروهم بمغادرة البلاد.

وبعد سنوات طويلة من الغلق، فتحت المكتبة مجددا أبوابها، رغم أنّ عائلات بلا مأوى كانت قد احتلّت منذ فترة جزءا من مقرها، فبعد أن كانت المكتبة تستوعب 1200 مقعد قبل مأساة الاغتيال، أصبحت اليوم لا تتسع سوى لمئتي مقعد.

من جهتها روت الراهبة فيرونيكا، التي وصلت الى الجزائر سنة 1997، كيف أنّها تستقبل في أحيان كثيرة طلابا كانوا قد درسوا في هذه المكتبة يرغبون في مقابلة أساتذتهم القدامى، مشيرة إلى أنّ هؤلاء التلاميذ أصبحوا يحتلون مناصب مهمّة.

الشعب الجزائري كان ضحية لذلك العنف والكنيسة دفعت نصيبها من ذلك الاقتتال الأعمى الذي كان يضرب البلاد بلا تمييز

وقالت “عندما أخبرهم بما حدث، يخرِون باكين”، فقد فقدت اثنتين من زميلاتها، اغتيلتا في حي باب الواد الشعبي غير البعيد عن القصبة في أكتوبر سنة 1994.

ومن جهته، يرفض القس غالب بدر، أسقف الجزائر، أيّ حديث عن “اضطهاد” المسيحيين خلال الحرب الأهليّة، دلالة على ثقل المأساة التي حلّت بالبلاد ككلّ، والتي لم يُميّز فيها الاقتتال الدمويّ بين مسيحيّ ومسلم.

ويقول “كل الشعب الجزائري كان ضحية لذلك العنف الذي لم يجد له تفسيرا. لم يكن هناك اضطهاد للمسيحيين، لكن الكنيسة دفعت نصيبها من ثمن العنف الأعمى الذي كان يضرب البلاد بلا تمييز”.

وأكدت الراهبة فيرونيكا ذلك، وهي واقفة وخلفها صورة هنري فرجيس معلقة في هذه المكتبة التي حافظت على جمال ساحاتها وأعمدتها وفسيفسائها.

حيث قالت إنّ الراهبين “دفعا الثّمن مثل جلّ الجزائريّين.. والفرق الوحيد أنّه كان بإمكانهما المغادرة، لكنّهما اختارا البقاء”.

وبالنسبة إلى القس غالب بدر، فإنّ المأساة التي ضربت الكنيسة مثلها مثل كلّ الجزائريين “دليل على اندماجنا في هذا البلد المتسامح، حيث لا يوجد تضييق على ممارسة الشعائر الدينيّة”.

ويبلغ عدد المسيحيين في الجزائر، بحسب الأرقام الرسمية، نحو عشرة آلاف شخص، لكنهم في الواقع أكثر من ذلك، مع وصول آلاف العمال من الفيليبين والصين والطلاّب الأفارقة إلى البلاد. هذا وقد أكد أسقف الجزائر أنّه ترأس، مؤخرا، قدّاسا لـ 600 عامل فيليبيني، بعد الحصول على رخصة من الوالي.

المأساة التي ضربت الكنيسة مثلها مثل كل الجزائريين، دليل على اندماجنا في هذا البلد المتسامح

ومن مظاهر تطبيع العلاقة بين السلطات والكنيسة، حضور عشرين إماما إلى كنيسة القديس أوغسطين بعنابة (شرق)، واستمرار صلوات الرباط المشتركة بين المسيحيين والمسلمين. وإن دلّ هذا على شيء، فهو يدلّ على روح التسامح التي يتمتّع بها الجزائريّون الذين ذاقوا ويلات الصراع الديني ودفعوا الغالي والنفيس من أجل إنهائه. حيث أنّهم يصرّون اليوم على أن يكون تعايشهم بمثابة شوكة في حلق التطرّف والإرهاب.

وكدلالة على طي صفحة الماضي، والسعي الحثيث إلى بناء مستقبل تسوده قيم التعايش والتسامح، ترفض الكنيسة الكاثوليكية بالجزائر المشاركة في الدعوى التي رفعتها أُسر رهبان تيبحيرين حول حيثيات خطفهم وقتلهم سنة 1996.

وفي هذا السياق، صرح القس غالب قائلا: “هناك دعوى قضائية رفعتها بعض العائلات، ونحن نتابع القضية لكن الكنيسة لن تكون طرفا فيها”. وبعد تبني فرضية اغتيال الرهبان على أيدي إسلاميين متشدّدين، بَدّلَ القاضي الفرنسي مارك تريفيديك (الذي اهتمّ بهذه القضّية) مسار التحقيق نحو احتمال أن يكون الجيش قد قتلهم من طريق الخطأ، بعد شهادة أحد الملحقين العسكريين السابقين في السفارة الفرنسية بالجزائر.

ورغم دمويّة المأساة التي شهدتها الجزائر في فترة التسعينات، وسقط على إثرها أكثر من 200 ألف قتيل، من الصّعب أن تُنسى دماؤهم أو تُمحى آثارها بسهولة، إلاّ أنّ مثل هذا الإصرار الذي نشهده اليوم على طيّ صفحة الماضي وإعلاء قيم التسامح والتعايش، لهُ أن يُؤسّس لمستقبل أفضل في البلاد وأن يضرب المثل لباقي أمم العالم التي تشهد نزاعات عرقيّة وطائفيّة ودينيّة، كي يكفّوا عن الاقتتال وأن يعتبروا ممّا سبقهم، فحفظ الدماء أنبل حتما من سفكها مهما كانت العلل والأسباب.

13