الجزائر تستعين بتقنيات الرقمنة لحفظ إرثها الثقافي والديني

تعد المخطوطات خزانة تراثية وفكرية تشي بالمستوى الثقافي الذي بلغه الأجداد على مر العصور، ما يجعل لها قيمة حضارية وثقافية دفعت الباحثين والمؤرخين إلى البحث في سبل حفظها مواكبة للتطور التكنولوجي الذي يتيح رقمنتها بطريقة توفر لها الحماية من كل ما من شأنه أن يطالها من أضرار. وفي هذا الإطار تتنزل مساعي وزارة الثقافة في الجزائر لرقمنة أرشيف البلاد من المخطوطات للحفاظ عليها وتسهيل وصول الباحثين لها.
الاثنين 2015/08/24
مخطوطات الجزائر جمعت ما توصل له أسلافهم من معارف وعلوم

الجزائر - تكنولوجيات الرقمنة تمكّن من نقل جميع أرصدة المخطوطات على وسيط إلكتروني يساعد الباحث في الاطلاع على محتوى المخطوط دون الحاجة للرجوع للنسخة الأصلية ولمسها وتقليبها ما يمكن أن يضرها ويؤثر على سلامتها. وتعد الجزائر من بين الدول العربية التي تزخر بتراث ثري بالمخطوطات التي تحاكي في تنوعها وكثرتها ثراء التاريخ الجزائري بما خلفته الحضارات المتعاقبة عليها وعلى منطقة المغرب العربي بشكل عام.

الاعتراف بدور هذه المخطوطات في كشف وجوه عديدة من تراث الجزائر دفع وزارة الثقافة إلى الاهتمام بهذه الثروة عبر حفظها وتثمينها من جهة وتسهيل وصول الباحثين إليها من خلال توظيف التكنولوجيات الحديثة في الرقمنة والإنترنت من جهة ثانية. وأعلنت الوزارة الأسبوع الماضي أنه سيتم إطلاق مشروع لرقمنة المخطوطات تحت إشراف الوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي.

وتضم المكتبة الوطنية الجزائرية أكثر من 4.200 مخطوط بالإضافة إلى تلك الموجودة في بقية مكتبات البلاد مثل مكتبات الجامعات ولدى الخواص وفي خزانات الزوايا الكائن معظمها بمناطق غرب البلاد حسب تصريح لوزير الثقافة بالجزائر وهو ما يجعل جمعها وأرشفتها وتوثيقها بشكل إلكتروني قادر على حفظها من التلف والضياع أو السرقة أو الحرق.

كما أكد الوزير أن وزارة الثقافة بصدد تكوين مختصين في مجال رقمنة المخطوطات وذلك من خلال الاستعانة بالخبرات الأجنبية لا سيما الأوروبية وبمساعدة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، وشدد في ذات السياق على ضرورة إشراك الجامعات ومراكز البحث لتساهم في حماية التراث الثقافي المادي وغير المادي بالجزائر.

ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أنه بمناسبة تظاهرة “قسنطينة عاصمة للثقافة العربية لعام 2015” أعلنت مديرية الشؤون الدينية والأوقاف بمدينة قسنطينة أنه سيتم طبع مخطوطات علماء الدين التي لم يسبق نشرها لتقديمها للمشاركين والحاضرين في التظاهرة والتعريف بها، وللغرض تم الاتصال ببعض عائلات مدينة قسنطينة التي تملك هذه المخطوطات من أجل “تأهيل” التراث الإسلامي غير المادي لإحدى أقدم مدن العالم. خاصة وأن منطقة قسنطينة تشكل “معقلا” للعلوم ولمخطوطات علماء الدين المشاهير في العالم الإسلامي وهو ما من شأنه إبراز ثراء التراث الجزائري بكتابات ومؤلفات علماء الدين وتجنب ضياعها جراء بقائها حبيسة أدراج مكتبات بعض العائلات دون اعتماد طرق حفظ تحميها من التلف.

قسنطينة تشكل معقلا للعلوم ولمخطوطات علماء الدين في العالم الإسلامي وهو ما من شأنه إبراز ثراء التراث الجزائري

كما تم البدء في رقمنة المخطوطات المحفوظة في مكتبة جامعة الأمير عبدالقادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة منذ عام 2011 وهي مخطوطات لا تمثل مجرد شهادة حول المعرفة المكتسبة من طرف الأسلاف ولكنها أيضا تلخص ذاكرة أمة بأكملها. حيث تعد تراثا فريدا من نوعه يعبر عن الثقافة الجزائرية باختلافاتها وهو ما أكده المسؤول عن مخبر المخطوطات بجامعة الأمير عبدالقادر عادل سعيد تومي بقوله بأن بعض هذه المخطوطات تحمل طراز النسخ المغربي أو المشرقي ومكتوبة بالحبر الأسود المحاط بالأحمر باللغة التركية بأحرف عربية على أوراق منفصلة أو مجمعة مزخرفة أو دون ديكور.

وتعالج هذه الأعمال المحفوظة مواضيع واختصاصات مختلفة مثل الفقه المالكي والأحاديث والسيرة النبوية والفلسفة والطب والتاريخ واللغة والأدب العربي والشعر والثقافة حيث يعود تاريخ أقدم مخطوطة ضمن هذه المجموعة الموجودة بالجامعة إلى سنة 1187 ميلادي وهي عبارة عن كتاب للمؤلف أبي العباس أحمد بن يحيى يتطرق فيه لموضوع فلسفي وهو المنطق.

وتعد مخطوطات مكتبة جامعة الأمير عبدالقادر في مجموعها هبات من عائلات كبار العلماء إذ تم جلبها من كل من المكتبة الخاصة للشيخ نعيم النعيمي (1909-1973) وهو أحد أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومن زاوية الشيخ الحسين بسيدي خليفة من مدينة ميلة الواقعة شمال شرق الجزائر ومن مكتبة الشيخ محمد الطاهر تليلي (1910-2003) أو حتى من مواطنين يرغبون في الحفاظ على إرث عريق في أفضل ظروف الحفظ العلمية.

إن تجارب رقمنة المخطوطات في جامعة الأمير عبدالقادر والشروع في رقمنة ما تضمه المكتبة الوطنية الجزائرية ينصهران ضمن مجهودات الدول العربية والمنظمات الدولية مثل اليونسكو في الحفاظ على التراث الثقافي العربي المادي واللامادي باعتباره مصدرا لإثراء الثقافة الإنسانية لأن المواد التراثية المرقمنة والمحملة على وسائط إلكترونية تمنح فرص الوصول إليها بسهولة من كل المناطق العالم عبر الانترنت من ناحية والتعريف بالثقافة العربية وبتراثها وهويتها من جهة ثانية وهو ما يبين أهمية وسائل الاتصال في الحفاظ على تراث الأمم.

12