الجزائر تسقط في قبضة أسواق النفط العالمية

الاثنين 2015/01/05
تخبط الحكومة الجزائرية يدفعها إلى استغلال الغاز الصخري في الوقت الضائع، بعد تراجع جدوى إنتاجه في جميع أنحاء العالم

الرباط - تكاد تكون الجزائر من أكثر منتجي النفط في العالم، تضررا من انهيار أسعار النفط، لأن صادرات النفط والغاز تمثل 97 بالمئة من صادرات البلاد. وتبدو الحكومة، اليوم، ساقطة تحت رحمة أسواق النفط العالمية، في وقت يتحرك فيه سعر خام برنت قرب 56 دولارا للبرميل.

تؤكد توقعات الخبراء الاقتصاديين على نطاق واسع أن الوضعية الاقتصادية والاجتماعية بالجزائر تتجه إلى أزمة خانقة خلال العام الحالي، بسبب انحدار أسعار النفط العالمية، الذي قد يطول بسبب فائض في العرض وضعف الطلب.

وتكمن الأزمة التي تواجه النظام الجزائري في أنه يعتمد كليا على إيرادات النفط، مما يجعله رهينة لما يحدق في أسواق النفط العالمية، وصعوبة التنبؤ بحجم العوائد المتوقعة في المستقبل.

ويرى المراقبون أن تراجع أسعار النفط قذف أعباء إضافية ثقيلة على الخزينة العمومية وصندوق ضبط الإيرادات الذي يعمل على تعديل الفجوة الكبيرة بين الرقم الذي تعتمده لسعر البرميل عند 37 دولارا والاحتياجات الحقيقية للميزانية.

ويقدر الخبراء سعر التوازن المطلوب ما بين 90 و100 دولار، الأمر الذي يعرض مدخرات صندوق ضبط الإيرادات إلى الزوال في أقل من 3 سنوات.

ويزداد الوضع سوءا إذا أخذنا بتقديرات وزير المالية الجزائري السابق كريم جودي، الذي يقول إن الموازنة بحاجة إلى سعر 110 دولارات للبرميل لتحقيق التوازن.

ويعتقد الخبراء أن سرعة استنزاف موارد صندوق ضبط الإيرادات مرتبط بتقلبات أسعار النفط، المرجح أن تبقى في مستوياتها أو تنخفض أكثر خلال الأشهر المقبلة، في وقت تجد فيه السلطة نفسها مضطرة لزيادة الإنفاق، رغم سياسات التقشف.

وبحسب المراقبين، فإن أجندات الجزائر في دعم منظمات ودول ولوبيات خارجية، سيدفعها إلى سحب أكثر من 11 مليار دولار من مخصصات صندوق ضبط الإيرادات المخصصة لتغطية مصاريف السنة، والبالغة نحو 45 مليار دولار، والتي يفترض أن تكون موجهة لدعم احتياجات المواطن الجزائري.

تراجع سعر صرف الدينار الجزائري سيضاعف من سياسة التقشف وتقليص الوظائف وتراجع الإنفاق العام وتأجيل برامج الإسكان


العملة الجزائرية


في هذه الأثناء كان انهيار أسعار النفط العالمية سببا مباشرا في تراجع قيمة الدينار الجزائري مقابل العملات العالمية مثل اليورو والدولار، مما أجبر مسؤولي البنك المركزي على البحث عن حلول للمعضلة وتداعياتها وإنقاذ العملة من التراجع.

ومن المرجح أن تتجه الحكومة لإصدار موازنة تكميلية في منتصف السنة الجارية لمعالجة الخلل، وقد تتضمن فرض ضرائب جديدة على الأنشطة الاقتصادية ما يشكل عبئا إضافيا على القدرة الشرائية نتيجة ارتفاع أسعار المنتجات بسبب تدني قيمة العملة.

وأشار متابعون إلى أن تراجع سعر صرف الدينار سيضاعف من سياسة التقشف وتقليص الوظائف وتراجع الإنفاق العام وتأجيل برامج الإسكان ما يكرس أزمة السكن، مما يؤثر سلبا على السلم الاجتماعي الهش بالمساهمة في ارتفاع البطالة وتقليل دعم الخدمات العامة.


تراجع عوائد الغاز


ويبدو مؤكدا أن يؤدي انهيار أسعار النفط إلى تراجع أسعار الغاز الطبيعي، ما ينعكس سلبا على مخططات النظام ويؤدي إلى تأجيل المشاريع أو إلغائها لنقص التمويل. وتعتبر عوائد الغاز جزءا أساسيا من موارد الجزائر، حيث تمثل نحو 40 بالمئة من إجمالي الصادرات.

ومن المرجح أن تتأثر أسعار الغاز الجزائري بثورة إنتاج الغاز الصخري في الولايات المتحدة وقرار واشنطن رفع القيود على صادراتها، مما يزيد المعروض في السوق الفورية، إلى جانب بروز منتجين جدد وصعود إنتاج الغاز المسال في قطر.

كريم جودي: "موازنة الجزائر بحاجة إلى 110 دولارات للبرميل لتحقيق التوازن"

كما يمكن أن تتأثر في حال تنفيذ مشاريع أنابيب الغاز الروسية “ساوستريم ونورثستريم، لزيادة الإمدادات إلى أوروبا، لتتحالف جميع تلك العوامل في التأثير على مستقبل صناعة الغاز الجزائرية.

وقد دفع الغموض والتخبط الحكومة الجزائرية إلى خطوة غير مدروسة بالإعلان عن التوجه لاستغلال الغاز الصخري. لكن الخبراء يقولون إن الخطوة تتناقض مع توجه الجزائر نحو التقشف لأن إنتاج الغاز الصخري يتطلب استثمارات وتكاليف إنتاج باهظة. ومن المستبعد أن يستطيع الاقتصاد الجزائري تحمل مثل تلك المغامرة في هذه المرحلة.

كما أن استخراج الغاز الصخري يتطلب مهارات فنية وتكنولوجيا عالية لا تملكها الجزائر، إضافة إلى الأضرار البيئية في ظل غياب المراقبة الصارمة لشروط الاستخراج، وما يترتب عليها من تلويث للمياه.

ويؤكد وزير الطاقة الجزائري، يوسف يوسفي، أن أول تجربة لاستغلال الغاز الصخري في عين صالح، لن تؤثر في البيئة والمياه الجوفية، وأن السلطات اتخذت كافة الإجراءات للمحافظة على البيئة.

وتتناقض تأكيدات الوزير الجزائري مع ما تشهده الجزائر من أكبر تدهور في البيئة بسبب النفايات والمخلفات الصناعية، حيث احتلت الجزائر المرتبة 112 في التصنيف الدولي لحماية البيئة، وهي مرتبة متأخرة تدل على حجم التدهور البيئي.


موقف المجتمع


وكان انطلاق عمليات التنقيب عن الغاز الصخري في ولاية تمنراست قد فجّر احتجاجات غاضبة عبرت عن مخاوفها من مخاطر استخراج الغاز التي تتعدى تلوث المياه إلى تلوث الهواء والتقليل من نسبة الأوكسجين، إضافة إلى تبديد مخزونات المياه الجوفية بسبب حاجة استغلال النفط الصخري إلى كميات هائلة من المياه لتفتيت الحجر الزيتي.

وأمعنت الحكومة في دفاعها المستميت عن إنتاج النفط الصخري، الذي يكشف حجم أزمتها، حين انضمت وزيرة البيئة دليلة بوجمعة في التقليل من خطورة استخراج الغاز والنفط الصخري، وهي التي يفترض أن تدافع عن البيئة.

ويرى محللون أن التأكيدات الحكومية واهية ولا تبدد الأخطار البيئية، إضافة إلى انعدام الجدوى الاقتصادية لإنتاج الغاز الصخري في ظل الأسعار الحالية للطاقة.

كل ذلك أدى إلى اتساع مساحة الرفض، بانضمام منظمات المجتمع المدني إلى جبهة المعارضين لعمليات استكشاف وإنتاج الغاز الصخري بسبب آثاره المدمرة للبيئة.

11