الجزائر تسلك طريق التقشف الإجباري للمرة الأولى منذ 15 عاما

لم تكذب الجزائر توقعات صندوق النقد الدولي من أنها أصبحت على حافة أزمة مالية حادة وشيكة نتيجة تداعيات انهيار أسعار النفط ومضاعفات تراجع عوائدها النفطية، بعد أن أكدت موازنة 2017 صحة تلك التحذيرات.
الجمعة 2016/09/23
ضرب سلة غذاء الجزائريين

الجزائر - كشف مشروع قانون موازنة الجزائر للسنة المقبلة أن الحكومة تخطط لفرض رسوم وضرائب جديدة إلى جانب رفع ضريبة القيمة المضافة وفرض رسوم استهلاك داخلي على العشرات من السلع في محاولة للتقليل من حدة عجز الموازنة.

ويؤكد هذا التمشي حجم التخبط الكبير في سياسة الدولة، ومن المستبعد أن تفضي إلى تخفيف الأزمة الاقتصادية العميقة، التي لا يمكن معالجتها بحلول ترقيعية، بحسب خبراء.

وللمرة الأولى منذ 15 عاما، تقر الحكومة وضع سقف لمستوى الإنفاق العام في الموازنة عند 7 تريليون دينار (64.8 مليار دولار)، كما قررت تثبيت عملتها بالدولار لمدة ثلاث سنوات عند 108 دنانير جزائرية للدولار لطمأنة المستثمرين المحليين والأجانب.

وفي ظل هذا الواقع، ينظر الكثير من الجزائريين إلى الأعوام الثلاثة المقبلة بنوع من الريبة بسبب تراجع أسعار النفط الخام بنسبة تفوق 60 بالمئة خلال العامين الماضيين، الأمر الذي أجبر الحكومة على تقليص حجم الإنفاق العام بشكل كبير.

ويبرز مشروع الموازنة الجديدة مؤشرات سلبية مفادها أن العام المقبل سيكون الأكثر تقشفا للجزائريين منذ 13 عاما.

وفي حال نجاح الحكومة بدعم من أحزاب الموالاة في تمرير المشروع عبر البرلمان، فسيكون أقصى قانون موازنة على الفئات المتوسطة والأقل دخلا، منذ وصول الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إلى الحكم في 1999، بالرجوع إلى ميزانيات السنوات الماضية.

ومن الضرائب التي سيتحملها المواطن الجزائري تلك التي ستطال مبيعات السيارات القديمة وإيجارات المساكن والمحلات والخدمات الحاصلة من شركات غير مقيمة، وفرض ضريبة بنسبة 10 بالمئة على الإشهار لمنتجات أجنبية.

ولن يقتصر الأمر على تلك القطاعات، إذ ستفرض ضرائب جديدة على الأجهزة الكهربائية المستهلكة للطاقة، إضافة إلى رسم للمغادرة والدخول من وإلى الجزائر.

وفي محاولة لتغطية جزء من عجز الموازنة، تضمن المشروع إجراءات أخرى، تشمل الزيادة في أسعار الوقود للعام الثاني على التوالي، وخفض مخصصات التحويلات الاجتماعية الموجهة لدعم الصحة والإسكان والمواد الغذائية الأساسية.

صندوق النقد الدولي: كانت أمام الجزائر في الأعوام الماضية فرص عديدة لتغيير نموذجها الاقتصادي

ويكشف المشروع، أن التحويلات الاجتماعية من موازنة الدولة المقبلة، ستشهد تراجعا بنسبة 11.4 بالمئة عما كانت عليه في العام الجاري، إلى نحو 1.63 ألف مليار دينار (15.1 مليار دولار)، ما يعادل 8.4 بالمئة من الناتج الداخلي الخام للبلاد.

وتعتمد الحكومة الجزائرية بنسبة تفوق 90 بالمئة من إيراداتها المالية على مبيعات النفط الخام للأسواق العالمية الذي شهد تراجعا في أسعاره، من 120 دولارا للبرميل منتصف 2014، إلى أقل من 47 دولارا حاليا.

وأظهرت بيانات الجمارك أن صادرات النفط والغاز من إجمالي صادرات الجزائر انخفضت بـ29.6 بالمئة إلى ما قيمته 16.44 مليار دولار خلال الأشهر الثماني الأولى لهذا العام.

وتقول أوساط اقتصادية إن الإصلاح الذي تقوم به الحكومة يتعثر بفعل الجدل الدائر بين الإصلاحيين الذين يسعون إلى خفض الاعتماد على عائدات النفط وتنويع الاقتصاد، ورجال الحرس القديم الذين يقاومون تحرير النظام الخاضع لهيمنة الدولة.

ويرى الكثيرون أن التغيير الاقتصادي يتعثر أيضا بفعل الغموض حول من سيخلف الرئيس الحالي، حيث يقوم منافسون بمناورات وسط توقعات بأن الرئيس بوتفليقة سيتخلى عن السلطة قبل انتهاء مدته الرئاسية عام 2019.

وسبق أن سجل عجز الخزينة العمومية في الجزائر نحو 17.7 مليار دولار مع نهاية النصف الأول من العام الجاري مقارنة، مع 11.2 مليار دولار من الفترة ذاتها من العام الماضي، وهو ما يعادل 70 بالمئة من العجز المتوقع للسنة المالية الحالية.

ووفقا للمؤشرات الاقتصادية للاقتصاد الجزائري للفترة 2019-2017، فإن البلاد ستعتمد على سعر مرجعي للنفط عند 50 دولارا للموازنة المقبلة ثم 55 و60 دولارا خلال 2018 و2019 على أساس سيناريوهات خاصة بتطور أسعار النفط في السوق الدولية.

ويحذر خبراء من أن انهيار اقتصاد الجزائر بات وشيكا وستلوح ملامحه العام المقبل إذا استمرت السلطة في تجاهل البحث عن الحلول الكفيلة للنهوض من حالة الركود وهذا التخاذل سيجعلها على الأرجح تلتجئ للاستدانة مرة أخرى من صندوق النقد الدولي.

وكان رئيس الوزراء عبدالمالك سلال قد اعترف خلال افتتاحه مؤتمر منظمات رجال الأعمال والنقابات العمالية في يونيو الماضي بأن الوضع الاقتصادي للبلاد “صعب والعوائق حقيقية والغد غامض”.

وكشف حينها عن تراجع الاحتياطات من العملة الأجنبية خلال العام الجاري إلى 136.9 مليار دولار بعد أن كانت في حدود 143 مليار دولار نهاية 2015، ما يدل على أن انهيار أسعار النفط، أثر على اقتصادها.

وحمل الواقع الجديد قبل ذلك بوتفليقة للاعتراف شخصيا بالأزمة، ومن قبله مدير ديوانه أحمد أويحيى الذي طالب بمصارحة الشعب بأن الوضع يتجه نحو الأسوأ بعدما أجمعت تخمينات الخبراء بأن أسعار النفط لا تزال متذبذبة وغير قابلة للاستقرار.

ويقول صندوق النقد الدولي إن الجزائر كانت أمامها فرص عديدة لتغيير نموذجها الاقتصادي في السنوات الماضية، مشيرا إلى الاحتياطي الذي تراكم خلال سنوات وغطى على المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد.

11