الجزائر تسير عكس التيار بمغازلة الإسلاميين بحثا عن دور إقليمي

بعد أكثر من عقدين على قرار المجلس الأعلى للأمن في الجزائر إلغاء نتيجة انتخابات 1992 التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالأغلبية، يستعد الجزائريون اليوم لخوض الانتخابات التشريعية وهم يستحضرون الأحداث الدامية التي أعقبت ذلك القرار الأمني والذي رفضه الإسلاميون، ويتابعون بريبة القرارات التي تصدر عن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والتي كان أحدثها تعيين شخصية إسلامية على رأس هيئة مراقبة الانتخابات البرلمانية في خطوة قلصت من تطلعات الجزائريين إلى حلول لأزماتهم الاقتصادية والاجتماعية، فأولويات النظام الآن ليسن المشاكل الداخلية، التي يسهل قمعها، بل البحث عن موطئ قدم في بحر أزمات المنطقة، والتي لم يجد النظام الجزائري من منفذ غليها غير لعب ورقة الإسلاميين داخليا لمغازلة إخوان ليبيا وتونس.
الجمعة 2017/02/03
تطلع إلى الثأر

الجزائر – بينما يسير العالم، أنظمة وحكومات ومؤسسات وجمعيات، في طريق مراجعة المواقف من الإسلاميين وجماعاتهم، اختار النظام الجزائري السير في الاتجاه المعاكس بحثا عن دور إقليمي يشمل أساسا محور إخوان تونس وليبيا، وسعيا إلى الإمساك بزمام أمور الداخل بعد أن أعلنت أحزاب إسلامية عن تحالفها وهم على أبواب الانتخابات التشريعية.

تجسد الموقف الرسمي الجزائري من خلال اقتراح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الوزير الأسبق المحسوب على التيار الإسلامي، ورجل القانون المقرب من الرئيس عبد الوهاب دربال، ليقود هيئة لمراقبة الانتخابات التشريعية التي تقرر إجراؤها في الرابع من مايو المقبل، ويشارك فيها الإسلاميون بقوة هذا العام ولم تسجل مقاطعة تذكر إلا من حزب طلائع الحريات الذي يقوده علي بن فليس، المرشح الخاسر في انتخابات الرئاسة السابقة ورئيس الحكومة الأسبق.

لم يتفاجأ السياسيون والمعارضون داخل الجزائر ولا المتابعين الدوليين لشأن هذا البلد الذي يذكر تاريخه بإحدى أسوأ التجارب مع الإسلاميين والإرهاب في العالم، باختيار الرئيس بوتفليقة، عرّاب ميثاق السلم والمصالحة الوطنية مع الإسلاميين، لإسلامي لرأس لجنة مراقبة الانتخابات. فقد سبق أن أعاد، وفي خضم تغييرات جذرية في البلاد شملت المخابرات والأمن أساسا، العلاقة مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ المتهم رقم واحد في الأعمال الإرهابية خلال العشرية السوداء، وفتح قنوات تواصل مع زعيم جيشها الذي خاض الحرب طيلة 10 سنوات.

تم استحداث الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات في دستور 2016، وهي مؤسسة دائمة تخلف الهيئات المؤقتة التي كان يتم إنشاؤها بمناسبة كل انتخابات. ووفق القانون الصادر في أغسطس الماضي، فإن مهمتها الأساسية هي “مراقبة عملية مراجعة القوائم الانتخابية وضمان حق المرشحين في الحصول على هذه القوائم والتكفل الكامل بالتوزيع المنصف لوسائل الحملة الانتخابية للمرشحين”.

وأعلن بيان للرئاسة الجزائرية يوم 9 أكتوبر الماضي، أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ينوي تعيين الوزير الأسبق ورجل القانون عبد الوهاب دربال، على رأس الهيئة المستقلة العليا لمراقبة الانتخابات، وعرض الاقتراح على الأحزاب للنظر فيه.

وفي نوفمبر الماضي أعلنت الرئاسة نهاية المشاورات بشأن شخصية عبد الوهاب دربال، القيادي السابق في حزب النهضة الإسلامي، وأن 60 حزبا من أصل 70 ردوا على استشارة رئاسة الجمهورية بخصوص تعيينه، منهم 47 أبدوا موافقتهم، فيما أبدت 9 أحزاب أخرى تحفظات، باعتبار أنها طلبت وضع هيئة مستقلة مكلفة بتنظيم الانتخابات وأبدت 4 أحزاب أخرى اعتراضات سياسية على كامل المسعى المنتهج من طرف السلطات.

وفي خضم النقاش حول هذا الاقتراح أبدت كل أحزاب الموالاة موافقتها على تعيين دربال، فيما ذهبت مواقف أغلب مواقف أقطاب المعارضة على أنها لا تعترض على شخصه بقدر اعتراضها على مهمة وصلاحيات الهيئة. ووصف المعارضون الهيئة بأنها “التفاف على مطلب المعارضة بلجنة مستقلة عن السلطة تشرف على الانتخابات دون مشاركة وزارة الداخلية”.

دوافع تعيين عبدالوهاب دربال بعيدة عن شعارات الديمقراطية والتعددية بل هي خطة سياسية لها دلالات تتعدى حدود البلاد

مكاسب داخلية

يشير الصحفي الجزائري المتخصص في الشأن السياسي عبد الحميد عثماني إلى أن “هناك قطاع واسع من المعارضة أسس موقفه من مبادرات النظام، بناء على مطلب هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات، لكن الدستور الجديد التفّ على المطلب، وبعبارة أخرى السلطة استجابت لنصف المطلب، عبر دسترة لجنة مستقلة لكن لمراقبة الانتخابات فقط، لتبقى بذلك العملية تحت سلطة الإدارة (وزارة الداخلية)، الأمر الذي قلّل من أهمية حزمة الإصلاحات التي بدأها الرئيس منذ خطابه في أبريل 2011، بل إن بعض المعارضة تشاءمت إلى حد الحديث عن الانتكاسة الديمقراطية”.

فرضت هذه المؤشرات على السلطة، حسب عثماني، “البحث عن ترضية سياسية للمعارضة، حتى تسحب من تحت أرجلها بساط التشكيك في جديتها نحو الانتقال الديمقراطي باختيار دربال للمهمة”، باعتبار أنه شخصية وإن كانت تنحدر من المعارضة فمعروف عنه قدرته الفائقة على الانفتاح والتواصل مع الغير، بحكم ثقافته وتكوينه وتجربته الطويلة في الحقل السياسي العام، وبهذا يكون أرضى المعارضين والإسلاميين، بعد حوالي ربع قرن من قرار إلغاء نتائج انتخابات 1992 التي فازوا فيها، في حدث الذي خلّف تركة أمنية وسياسية واقتصادية لازالت تداعياتها قائمة إلى اليوم.

وتشكّك بعض الأحزاب المعارضة، والرافضة أصلا لفكرة هيئة تراقب الانتخابات رئيس الجمهورية يعين أعضاءها، في مصداقية هذه الهيئة، مستشهدة بالتجارب الماضية التي تم فيها بعض لجان وصفت بأنها “مستقلة”، لكن تبين خلال في خضم الانتخابات أنها لم تكن سوى كومبارس في مسرحية انتخابية سياسية تحرك عرائسها المخابرات.

يقول عدة فلاحي، النائب الإسلامي السابق بالبرلمان، إن “عبد الوهاب دربال، قبل كل شيء هو رجل ثقة الرئيس بوتفليقة، وكان من مهندسي انقلاب داخلي على المعارض الإسلامي عبد الله جاب الله، رئيس حركة النهضة في 1999، بعد رفضه دعم ترشح بوتفليقة، كما كان آنذاك ضمن طاقم حملته الانتخابية“.

ووفق فلاحي، الذي كان ينتمي لنفس الحزب السياسي مع دربال (النهضة) فإن “اختيار الرجل قد يكون مقصودا لمواجهة المعارضة التي يعد الإسلاميون الصوت الأقوى فيها خلال الانتخابات، فهو أحد وجوه التيار الإسلامي الذي يمكنه مواجهتهم”. ويخلص إلى أنه “في النهاية رغم كون دربال، إسلاميا فمهمته رسمية، ولو خُيّر خلال الانتخابات بين أسرته الإسلامية أو السلطة التي عينته فهو سيختار دون تردد السلطة، لأنه ترك العمل السياسي منذ سنوات وأصبح رجل دولة”.

تشكّك بعض الأحزاب المعارضة في مصداقية هذه الهيئة، مستشهدة بالتجارب الماضية التي تم فيها بعض لجان وصفت بأنها “مستقلة"

دوافع خارجية

تشي مواقف النظام الجزائري بأن دوافع تعيين عبد الوهاب دربال بعيدة عن شعارات الديمقراطية والتعددية وهي أقرب لخطة سياسية لها دلالات تتعدى حدود البلاد، بحثا عن دور إقليمي بمغازلة إخوان ليبيا وتونس، في خطوة شببها المتابعون بما قامت به تركيا في السنوات الأولى للربيع العربي، والذي عاد عليها بالضرر أكثر من النفع.

وتحدثت تقارير إعلامية عديدة عن زيارات ولقاءات جمعت بين قيادات إسلامية من تونس وليبيا بالرئيس بوتفليقة ورجالاته، تمحورت أساسا حول الأزمة الليبية وكيفية الإمساك بزمام حلها، ضمن مبادرة تجمع كافة الأطراف بل وتمنح الإسلاميين دورا هاما في ليبيا ما بعد الحرب، في المقابل لم تنس حركة النهضة الدعم الذي قدّمه لها النظام الجزائري ولأعضائها حين كانت محظورة.

ووجدت النهضة وإسلاميو ليبيا في محاولات الجزائر إعادة التموضع واستعادة التأثير الإقليمي الذي خسرته بعد فشلها في أداء دور فعال في النزاع في مالي ومواقفها من قضايا منطقة الشرق الأوسط طرفا يمكن الاستناد إليه في ظل التطورات الحاصلة في ملف الإسلاميين، خصوصا على مستوى مواقف الداعمين الرئيسيين الذين بدأوا يراجعون مواقفهم، خصوصا بعد القرار الأميركي ببحث عن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية وتعديل وإعادة تسمية برنامج للحكومة الأميركية يهدف إلى مكافحة كل الأفكار التي تشجع على العنف حتى يركز فقط على التطرف الإسلامي.

لا يتوقع المراقبون والباحثون أن تلاقي خطط بوتفليقة صدى كبيرا على المستوى الشعبي أساسا، بعد أن عانى الجزائريون ويلات النزاع المسلّح بين المجموعات الإسلامية المسلحة وقوات الأمن، الذي استمرّ وأسفر عن سقوط مايزيد عن 150000 ضحية وفقدان أكثر من 6000 شخص.

وتقول داليا غانم يزبك، وهي محلّلة أبحاث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط تركّز في أبحاثها على النزعات الإسلامية والجهادية في الشرق الأوسط، وركزت على التجربة في الجزائر، إن الكثير من الجزائريين يخشون أن يقود الإسلاميون البلاد، في حال عادوا إلى مراكز في السلطة، إلى “عقد أسود” جديد، وباستحضار الذكريات المؤلمة يزدادون اقتناعا على مايبدو في أن التصويت للإسلاميين لن يحلّ المشاكل التي تتخبّط فيها بلادهم.

6