الجزائر تسير في حقل ألغام للخروج من أزماتها الاقتصادية المتفاقمة

تحاول الجزائر فك الارتباط مع الاقتصاد الريعي بحزمة إجراءات يبدو أنها غير كافية، وفق الخبراء الذين يرون أن هناك ضرورة للإسراع في إيجاد طرق بديلة مستدامة لزيادة العائدات في ظل تآكل الاحتياطيات النقدية جراء استمرار تراجع أسعار النفط للعام الثالث على التوالي.
الثلاثاء 2017/07/11
رحلة البحث عن مخرج

تبحث الجزائر عن انطلاقة جديدة للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها بسبب تقلص عائداتها المالية بفعل تدهور أسعار الطاقة منذ منتصف 2014، لكنها تصطدم بتحديات صعبة.

ويربط الخبير بشير مصطيفي تعافي الاقتصاد الجزائري بإطلاق الحكومة لآليات جديدة لتطوير الإدارة وتدريب الموظفين واعتماد الاقتصاد الرقمي وتعديل قانون النقد والقرض وإطلاق عملية الدينار الجديد وتأسيس هيئة مختصة في الابتكار الضريبي.

ورسم وزير الدولة السابق للاستشراف والإحصائيات سيناريو إيجابيا على المدى المتوسط في الجزائر، في حال توفر شروط معينة، وتوقع العودة إلى النمو الإيجابي بين 6 و7 بالمئة بحلول عام 2020 بعدما كان في حدود توقعات 1.9 بالمئة العام الجاري و3.5 بالمئة خلال العام الماضي.

واستند إلى تطور الخطاب الاقتصادي للدولة بعد تعيين عبدالمجيد تبون على رأس الحكومة والذي كشف عن ملامح انقلاب لتطهير الساحة الاقتصادية والعمل على تطوير السياسات النقدية والمالية والضريبية وفرض رقابة على تمويل الاستثمارات الحكومية وعلى المال العام.

واعتبر مصطيفي خلال حوار خاص مع “العرب” أن ازدهار نظام التمويل الإسلامي قد يكون مصدر إلهام للجزائر للخروج من الأزمة وتنويع مصادر الدخل واحتواء الاقتصاد الموازي.

وقال إن “تشابه البدايات بين الجزائر ودول أوروبا الشرقية وازدهار نظام التمويل التشاركي لدى بعض الدول الآسيوية مثل ماليزيا، قد يكون مصدر إلهام للجزائر في تحقيق الإقلاع الاقتصادي، انطلاقا من عرض التمويل الإسلامي كأسلوب لاحتواء الاقتصاد الموازي”.

وتتجه الحكومة إلى إطلاق آلية الصيرفة الإسلامية، كبديل لاستعادة التوازن للموازنة العامة والانطلاق نحو آفاق اقتصادية جديدة، لكن يبدو أن لا شيء يسير وفق المخطط له.

بشير مصطيفي: ازدهار التمويل التشاركي قد يكون مصدر إلهام للجزائر لزيادة معدل النمو

ونفى الخبير أن تكون مسألة التأخر في إطلاق آلية التمويل الإسلامي في البلاد، تعود إلى أسباب أيديولوجية تتصل بالتجاذبات السياسية والمرجعيات الفكرية للنخب المتداولة على المؤسسات الحكومية والمصرفية.

وقال إن “الأمر يعود لمضمون قانون النقد والقرض الصادر في 1990، وهو القانون الذي اقتبس من التجربة الألمانية، ولا يسمح بنشوء مصارف على قاعدة دينية، رغم تطور هذا النوع من التمويل طيلة الـ27 سنة الماضية”.

وأكد أن الجزائر عليها التأقلم مع هذه التغييرات والإسراع في تعديل القانون لمواءمته مع متطلبات المرحلة الراهنة ومن ثم إطلاق منتجات الصيرفة الإسلامية في القطاعين العام والخاص.

ويقول المسؤولون الجزائريون إن الحكومة تعمل على إيجاد طرق جديدة للتخلص من سوق موازية تستحوذ على 80 بالمئة من القطاع، واستقطاب أكثر من 41 مليار دولار متداولة خارج القنوات الرسمية.

كما تهدف زيادة عوائد الضرائب والتي تصل حاليا إلى 13 بالمئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي تمكنها من استخلاص 77 مليار دولار كعوائد ضريبية سنوية في المستقبل.

ووافق البرلمان نهاية الشهر الماضي، على خطط للحكومة لإصلاح سياسة الدعم وتدشين نظام للتمويل الإسلامي وضرائب جديدة في إطار محاولات للتغلب على الهبوط الحاد في إيرادات الطاقة.

ويرى مصيطفي أنه في حال تمكنت الحكومة من استقطاب الأموال التي تدور في السوق الموازية فإنه يمكن استثمارها في ثلاثة مسارات رئيسية هي البنوك وصناديق الاستثمار والبورصة.

وتعترض الحكومة عقبات لاحتواء الأنشطة التجارية والاقتصادية، يأتي على رأسها توسع نطاق السوق الموازية التي تستحوذ على 80 بالمئة من القطاع، حيث يتواجد 250 ألف تاجر في السوق الرسمية، مقابل مليون تاجر في السوق الموازية.

وتعتمد الجزائر على السوق النقدية في تمويل اقتصادها ما يدفع إلى استشراف حجم السيولة لدى البنوك في حالة نجاح عملية استقطاب السوق الموازية وذلك برفع مؤشر الجذب وتنافسية الادخار إذا ما تم اعتماد الصيرفة الإسلامية.

وأرجع الخبير أسباب فشل محاولات سابقة لاستقطاب الأموال الموازية بواسطة السندات إلى كون فوائدها عالية وعوائدها ضعيفة، في حين أن الأرباح التي يجنيها المتعاملون في السوق الموازية كبيرة بسبب انعدام العبء الضريبي والبيروقراطية.

ويعتقد وزير الدولة السابق أن بديل العملة الجديدة الذي اقترحه لا يتعلق بطباعة الأوراق النقدية مثلما حصل مع تجربة ورقة 200 دينار، بل بتغيير العملة في حد ذاتها من خلال ضبط قيمة الدينار الجزائري أمام العملات الأجنبية.

وقال إن “هذا الضبط يسمح بالتعامل مع عملة جديدة تساوي 10 مرات القيمة الحالية، وبالتالي تحقيق جزء من فعالية السياسة النقدية للدولة، وتوفير مبالغ مهمة بالنقد الأجنبي، ثم التخلص من القطع النقدية التي اختفت من التداول تحت ضغط التضخم والدينار الضعيف”.

واقترح الخبير إطلاق الدينار الجديد على مرحلتين، تبدأ بإصدار عملة مزدوجة (دينار حالي ودينار جديد) لمدة 6 أشهر لامتصاص الدينار الحالي، ثم إلغاء العمل بالدينار الحالي بعد 6 أشهر، وبذلك تكون السلطات قد حصرت جميع الأموال في سوق واحدة تحت إشرافها.

10