الجزائر تطلق صندوقا للأموال المنهوبة رغم صعوبات استرجاعها

مخاوف متصاعدة من تسوية سياسية بين الحكومة ورموز الفساد.
السبت 2021/09/25
الرئيس الجزائري أمام حتمية الإيفاء بتعهداته

خصّصت السلطات الجزائرية صندوقا لاسترجاع الأموال المنهوبة وفقا لتعهّدات الرئيس عبدالمجيد تبون في حملته الانتخابية، لكن المسألة أثارت جدلا واسعا بشأن قيمة تلك الأموال ومجالات توظيفها، وسط مخاوف متصاعدة من إبرام صفقة سياسية للتسوية بين الحكومة ورموز الفساد بالبلاد.

الجزائر – قررت الجزائر إنشاء صندوق لما يعرف بـ”الأموال المنهوبة” وسط جدل وغموض حول حجم تلك الأموال ووجهات توطينها وطرق استعادتها، فرغم تقديرها بالمليارات من الدولارات، إلا أنه لم يسترجع منها إلا نحو 850 مليون دولار إلى غاية الآن.

وأطلقت الحكومة الجزائرية صندوقا خاصا بالأموال المنهوبة بمسمى “الصندوق الخاص بالأموال والأملاك المصادرة أو المسترجعة في إطار قضايا مكافحة الفساد”، بحسب ما ورد في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، مع تكليف وزير المالية بمهمة التصرف فيها والصرف.

وجاء ذلك في خضم جدل متصاعد في البلاد حول مصير ومآل الأموال المنهوبة خلال العقدين الأخيرين المحسوبين على الرئيس السابق الراحل عبدالعزيز بوتفليقة، حيث فشلت السلطة الجديدة إلى حد الآن في استعادة الأموال المذكورة، وفي تقديم حصيلة شفافة حول حجمها ومواطن تواجدها ولا الآليات المطبقة لاسترجاعها، رغم أنها كانت ضمن التعهدات التي أطلقها الرئيس عبدالمجيد تبون خلال حملته الانتخابية في 2019.

تقارير محلية تحدثت عن عواصم خليجية وأوروبية كانت وجهة مفضلة لمحوّلي الأموال الجزائرية المنهوبة إلى الخارج

ولئن قدرها الرئيس تبون بـ”العشرات من المليارات”، فإن التقديرات تضاربت بشأن حجمها، وتحدث خبراء عن تضخيم لفواتير الاستيراد خلال العقدين الأخيرين بنحو مئتي مليار دولار، بينما تحدث كتاب صدر في فرنسا خلال السنوات الماضية عن تحويل خمسين مليار دولار من الجزائر إلى فرنسا في الفترة الممتدة بين سنتي 2000 و2015.

وشكّل التصريح الذي أدلى به المحامي ورجل القانون فاروق قسنطيني في بحر هذا الأسبوع حول إبلاغه من طرف وزير مسجون حاليا لم يكشف عن هويته، عن امتلاكه لحساب ضخم في سويسرا يتضمن ملياري دولار، استفزازا مباشرا للجزائريين، خاصة وأن المصالح المختصة لم تتحرك لاستيضاح الأمر من صاحب التصريح.

وقدر القضاء الجزائري حجم الأموال المسترجعة بنحو 850 مليون دولار تتمثل في ممتلكات وعقارات وأموال تمت مصادرتها من أصحابها بعد استيفاء الشروط والمراحل القضائية، لكن ذلك لا يمثل إلا جزءا يسيرا مما تم نهبه خلال العقدين الأخيرين بشهادة مسؤولين كبار ورجال أعمال وضباط سامين في الجيش والأمن.

وتعتبر الحقبة المذكورة أزهى مرحلة مالية في تاريخ البلاد، حيث حققت عائدات ضخمة من مبيعات البترول والغاز قدرت بنحو 1200 مليار دولار، غير أن مفعولها وتأثيرها لم يتجسدا في تحقيق نهضة شاملة في البلاد أو وضعها على خط انطلاق الدول الناشئة، حيث كانت عرضة للنهب والتبديد والشراء العشوائي للسلم الاجتماعي، وعادت البلاد إلى دوامة أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة منذ صائفة العام 2014، بسبب تهاوي أسعار النفط حينها وبداية تقلص الإنتاج، ثم تأثيرات الجائحة الصحية العالمية.

وكان الرئيس عبدالمجيد تبون قد تعهد بـ”استعادة الأموال المنهوبة” وبأنه “يعرف أماكن تواجدها”، إلا أنه لم يتجسد شيء من تعهده إلى غاية الآن رغم مرور قرابة العامين على انتخابه رئيسا للبلاد، الأمر الذي أفضى إلى حالة من الغموض حول الأموال المذكورة وبدأ الأمل في استعادتها يتلاشي لدى الجزائريين.

وأمام التعقيدات القضائية والدبلوماسية التي تحيط بعملية استرجاع الأموال المنهوبة، يجري التحضير إلى تسوية “ودية” بين السلطة والضالعين في ملفات الفساد من أجل التوافق على صيغة مرضية للطرفين يكون فيها “المال مقابل الحرية” العنوان الأكبر.

غير أن الكلفة السياسية للصفقة لا تزال مصدر خوف لدى السلطة، على اعتبار أن شيوع الفساد الذي أثار ثورة الشارع الجزائري في 2019. وقد تتكرر نفس الثورة إذا ظهر تقارب جديد بين السلطة ورموز الفساد، خاصة بعد الانطباعات التي سجلت في وفاة ودفن الرئيس الراحل بوتفليقة الذي يعد المسؤول الأول سياسيا وأخلاقيا عن المرحلة وعن المآلات التي وصلت إليها البلاد، لكنه ظل بعيدا عن المساءلة والمقاضاة.

جدل متصاعد في البلاد حول مصير الأموال المنهوبة
جدل متصاعد في البلاد حول مصير الأموال المنهوبة

ولا يجد متابعون للشأن الجزائري مبرّرا لإنشاء صندوق أو آلية، لأن العبرة بحسب الخبير الاقتصادي والناشط السياسي المعارض إسماعيل لالماس في “استرجاع وإضفاء الشفافية الحقيقية حول تلك الأموال، ووضعها في خدمة البلاد والعباد وعدم تركها عرضة للصوص جدد”.

وتحدثت تقارير محلية عن عواصم خليجية وأوروبية كباريس وجنيف ثم تركيا وكندا فضلا عن جنان ضريبية كانت وجهة مفضلة لمحولي الأموال الجزائرية إلى الخارج، وهو ما يؤكد حجم التعقيدات التي تعتري عملية استعادتها، لاسيما في ظل هشاشة السلطة الجديدة وأزمتها الداخلية.

وحدد المرسوم الجديد كيفيات سير حساب التخصيص الخاص رقم 152 – 302 والذي أسماه بـ”الصندوق الخاص بالأموال والأملاك المصادرة أو المسترجعة في إطار قضايا مكافحة الفساد”.

ونص البند الثاني من المرسوم المذكور على فتح حساب تخصيص في كتابات الخزينة رقمه 152 – 302 وعنوان “الصندوق الخاص بالأموال والأملاك المصادرة أو المسترجعة في إطار قضايا مكافحة الفساد”، ويكون الآمر الرئيسي بصرف هذا الحساب هو الوزير المكلف بالمالية.

أما البند الثالث فجاء فيه بأنه “يقيد في الحساب ما يتعلق في باب الإيرادات كل من الأموال المصادرة بناء على أحكام قضائية نهائية، الأموال المسترجعة من الخارج، وناتج بيع الأملاك المصادرة أو المسترجعة”.

وتوجه النفقات إلى دفع المصاريف المتعلقة بتنفيذ إجراءات المصادرة أو الاسترجاع أو البيع، وتصفية الديون المثقلة على الأملاك المصادرة أو المسترجعة، وتحدد مدونة الإيرادات والنفقات المقيدة في هذا الحساب بموجب قرار من الوزير المكلف بالمالية، كما تحدد كيفيات متابعة وتقييم الحساب الخاص بموجب قرار من وزير المالية.

4