الجزائر تعتقل شعرها الأمازيغي

التراث الشعري الأمازيغي المكتنز ككل لم يحظ منذ الاستقلال إلى يومنا هذا برعاية الدولة الجزائرية طباعة ونشرا وتوزيعا وترجمة إلى اللغات الحية، وتعريفا بشعرائه.
الجمعة 2018/03/09
اعتقال الشاعر الأمازيغي سي محند مصير كل مبدع جزائري

منذ أكثر من أربعة عقود قمت بترجمة بعض قصائد الشاعر الأمازيغي الشهير في البلاد الأمازيغية سي محند أو محند إلى اللغة العربية، ونشرتها على صفحات جريدة الشعب الجزائرية التي كان لها حينذاك ركن ثقافي دسم لا نظير له الآن في وسائل الإعلام الجزائرية المكتوبة.

وبعد ذلك بسنوات طويلة جمعني لقاء بتونس بالشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم وقرأت على مسامعه قصائد الشاعر سي محند التي ترجمتها وسرعان ما قال لي بفرح تدلَى من عينيه إن هذا النوع من الإبداع يمكن أن يتحلق حوله محبو الشعر الجميل في كافة قارات المعمورة، ثم استطرد القاسم داعيا متمنيا أن يترجم شعر هذا الشاعر إلى اللغة العربية ترجمة أصيلة وذلك من أجل التعريف به لدى القراء في المشرق العربي.

في الحقيقة هناك كثير من الشعراء الأمازيغ الجزائريين الذين “بلعهم” صمت المسؤولين عن الثقافة الجزائرية ومن بين هؤلاء الضحايا، على سبيل المثال، شعراء الشعر الأمازيغي الذي تناقله الرواة عبر التاريخ دون أن يعرف أحد أصحابه الحقيقيين إلى يومنا هذا.

إلى جانب هؤلاء الشعراء المغمورين هناك الشعراء الأمازيغ المعاصرون مثل محمد بن حنفي، وبن محمد وأشروف يذير الذين عاشوا حياة التروبادور المتنقل في الأسواق، ومحند أويحي المدعو (محيا)، وفاطمة عمروش وابنتها طاوس عمروش، وابنها جان الموهوب عمروش، وزبيدة إيغيل الأربعاء المعروفة باسم حنيفة، وسليمان عزام، وشريف خدام، ومليكة دمران وغيرهم كثير. واللافت إلى النظر هو أن معظم الشعراء الأمازيغ، نساء وذكورا، يجمعون بين قول الشعر وبين الغناء وعزف الموسيقى، وقد مكنهم هذا من اكتساب الشعبية في القرى والمدن الجزائرية الناطقة باللغة الأمازيغية.

رغم الثراء الروحي والفني لشعر هؤلاء فإن المدارس والمعاهد الجزائرية لا تدرسه للتلاميذ دراسة نقدية متطورة على ضوء المناهج الحديثة، كما أنهم لا يمتحنون فيه، وفضلا عن ذلك فإن هذا الشعر لم يترجم إلى يومنا هذا إلى اللغة العربية ترجمة إبداعية جيدة بغية تمكين قطاع واسع من الشعب الجزائري الذي لا يقرأ ولا يكتب اللغة الأمازيغية من الاطلاع عليه، أما بعض الشذرات المترجمة حتى الآن فهي رديئة ولا تنطبق عليها معايير الترجمة الفنية.

لاشك أن هناك بعض الجهود المبذولة من طرف أفراد قليلين لنفض الغبار عن نصوص الأدب الأمازيغي القديم وأغلب هؤلاء مستشرقون فرنسيون عاشوا بالجزائر فترة الاستعمار الفرنسي، ولكن التراث الشعري الأمازيغي المكتنز ككل لم يحظ منذ الاستقلال إلى يومنا هذا برعاية الدولة الجزائرية طباعة ونشرا وتوزيعا وترجمة إلى اللغات الحية، وتعريفا بشعرائه سواء في الجزائر العميقة أو في المنطقة المغاربية أو في بقية بلدان العالم العربي أو في العمق الأفريقي وهلم جرا.

15