الجزائر تعلن عجزها عن معالجة فوضى صناعة تجميع السيارات

تفاقم المضاربة والاحتكار في القطاع يؤكد فشل الخطط الحكومية، وتكاليف الإنتاج تفوق فاتورة استيراد بديل بنوعية أفضل.
الجمعة 2018/03/23
استثمار يزيد من متاعب الاقتصاد

الجزائر – ظهرت أولى انعكاسات كشف وزارة الصناعة والمناجم الجزائرية عن الكلفة الإجمالية لمواصلة تجميع السيارات في البلاد، على أسواق السيارات المستعملة، التي سجلت ارتفاعات فلكية في السنوات الأخيرة.

وقال متعاملون في سوق “تيجلابين” الأسبوعي شرق العاصمة لـ”العرب” إن “أسعار السيارات القديمة شهدت انخفاضا ملموسا الأسبوع الماضي جراء الصدمة التي أحدثتها لائحة وزارة الصناعة والمناجم حول الكلفة النهائية للسيارات المركبة محليا”.

وأكد أحد السماسرة أن “إعلان الوزارة أحدث زلزالا بسوق السيارات القديمة، التي تحولت إلى ملاذ للكثير من الجزائريين، بسبب غلاء السيارات الجديدة، والتلاعب بأسعارها بسبب تواطؤ عدة أطراف وغياب الرقابة”.

فرحات آيت علي: سياسة الدولة شجعت على تنامي الاحتكار والتلاعب بالأسعار وتهريب العملة
فرحات آيت علي: سياسة الدولة شجعت على تنامي الاحتكار والتلاعب بالأسعار وتهريب العملة

واعترف لـ”العرب” بأن سوق السيارات وقعت تحت قبضة السماسرة، منذ قرار الحكومة بوقف الاستيراد والتوجه لإقامة مصانع محلية للتركيب والتجميع، وأن غياب الرقابة الحكومية ساهم في الارتفاع الجنوني للأسعار، حتى صارت السيارة المحلية أغلى من تلك المستوردة.

وكشفت اللائحة التي نشرتها وزارة الصناعة بشأن الكلفة الإجمالية لمختلف العلامات المجمعة محليا، عن تلاعب كبير في الأسعار خلال السنوات الأخيرة بين الفاعلين في القطاع، بما فيهم شركات تجميع السيارات والسماسرة.

ويتراوح الفارق بين 50 بالمئة ويصل إلى 100 بالمئة، حيث تقدر تكلفة أرخص السيارات من علامة هيونداي آي 10 بنحو 7 آلاف دولار، في حين يتم بيعها بنحو 10 آلاف دولار.

وحذر اقتصاديون مرارا الحكومة من تغول لوبيات في القطاع وتحويل قرار إلغاء الاستيراد للحفاظ على رصيد النقد الأجنبي، إلى استيراد مقنع واحتكار يحد من المنافسة وضمان النوعية والخدمات التي كانت في السابق.

وانتقد الخبير المالي فرحات آيت علي الخطوة الحكومية لكبح جماح الاستيراد، مقابل فتح المجال أمام تهريب آخر للعملة الصعبة، والتأسيس لاحتكار جديد لفائدة مجموعة من اللوبيات، المستفيدة من قربها أو تأثيرها في القرار الاقتصادي للبلاد.

وقال إن “السياسات الاقتصادية للحكومة أدخلت السوق المحلية في فوضى، وأن تشجيع المركبين المحليين بمزايا ضريبية مختلفة، شجع على تنامي الاحتكار والتلاعب بالأسعار وتقنين تهريب العملة الصعبة”.

وأكد آيت علي أنه يستحيل في هذا الوضع الوصول إلى تصدير هذا المنتوج، بسبب الجودة والقدرة التنافسية والأسعار الخيالية.

وتقول مصادر مطلعة إن عدم التوافق بين العرض والطلب في السوق المحلية خلال السنوات الأخيرة، قلص المنافسة وفتح المجال أمام المضاربين للقيام بصفقات غير معلنة أضرت بالقطاع بشكل كبير.

واستغل المضاربون في السوق تلك الصفقات للاستحواذ على الكميات المنتجة، لتحول مباشرة إلى الأسواق الأسبوعية، ليعاد بيعها بفارق يصل إلى حدود ثلاثة آلاف دولار، الأمر الذي أنهك القدرة الشرائية للمواطنين.

ورغم الفوارق التي ظهرت بين لائحة الوزارة وأسعار التسويق، إلا أن الأرقام تبقى محل تشكيك، على اعتبار أن المعطيات المستند إليها في العملية لم تصدر من هيئة حيادية، وإنما تمت بالتنسيق بين الوزارة وإدارات مصانع التركيب.

إسماعيل لالماس: دور الحكومة ملتبس في ضبط السوق وحماية حقوق المستهلكين
إسماعيل لالماس: دور الحكومة ملتبس في ضبط السوق وحماية حقوق المستهلكين

ولم يستبعد الكثير من المراقبين أن تكون اللائحة نفسها مضخمة إلى حد ما، وأن الشركات قد استبقت أي إجراء حكومي من أجل كبح ارتفاع الأسعار بضمان هامش أرباحهم عبر تضخيم مراحل عملية التجميع والتركيب.

واستغرب رئيس جمعية “استشارات للتصدير” إسماعيل لالماس، الأسعار المطبقة في تسويق السيارات طيلة السنوات الأخيرة التي منع فيها الاستيراد، رغم استفادة المركبين من مزايا مغرية، في مجالات الضريبة والحقوق الجمركية والقروض البنكية المريحة والعقار الصناعي.

وقال إن “دور الحكومة ملتبس في ما يتعلق بضبط السوق وحماية حقوق المستهلكين الواقعين تحت الصدمة، بسبب تعرضهم لاحتيال مفضوح”.

وكانت وزارة الصناعة قد رخصت في الأسابيع الأخيرة لعدة متعاملين بتركيب علامات أوروبية وآسيوية على غرار رينو وبيجو الفرنسيتين وهيونداي وكيا الكوريتين الجنوبيتين، وعلامات يابانية وألمانية، مع التشديد على احترام دفتر شروط لرفع نسبة الاندماج إلى مستويات مقبولة في غضون سنوات قليلة.

ووقعت الحكومة في الآونة الأخيرة، تحت ضغط انتقادات شديدة من طرف الخبراء والمختصين في هذا المجال، كما ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في إخراج وزارة الصناعة من صمتها، بعد اجتياح حملات مقاطعة، بسبب الأسعار الخيالية المطبقة في تسويق السيارات والمركبات.

ورغم أن أسعار التكلفة النهائية لن تكون هي أسعار التسويق، بسبب عدم شمولها لبعض الرسوم التي تذهب للخزينة العامة، واستحالة تحديد سقف رسمي لتلك الأسعار، فإن الحكومة تأمل في عدم تجاوزها لأسعار السيارة المستوردة.

10