الجزائر تغامر أخيرا بشد أحزمة التقشف

الجزائر تشهد نقاشات مطولة حول مستقبل اقتصادها المعتمد كليا على تصدير البترول، فالتخوفات في دوائر صنع القرار منصبة على صدمة مشابهة لسيناريو 1988، ومنذ أربع سنوات تشهد البلاد تراجعا في المؤشرات الاقتصادية، ما دفع الخبراء إلى التحذير من عواقب انخفاض أسعار البترول في الجزائر على المدى البعيد.
الثلاثاء 2016/01/12
كفى فقرا

الجزائر- تنتظر الجزائريين أيام صعبة مع بداية السنة الجديدة ودخول الزيادات في أسعار الوقود والغاز والكهرباء حيز التطبيق، ما يؤثر مباشرة في أسعار السلع الأخرى، وذلك في إطار تدابير اتخذتها الحكومة لمواجهة انهيار أسعار النفط.

وأجبرت الأزمة المالية الخانقة جراء ذلك التراجع، المسؤولين الجزائرين على اتخاذ تدابير تقشفية مسّت عقود الموظفين غير الدائمين في المؤسسات الحكومية، وخفض الإنفاق وإلغاء العديد من المشاريع.

وتسبب انخفاض المصدر الأول لتمويل الميزانية، بخسارة الجزائر نصف عائداتها الخارجية في 2015. ومنذ بداية هذه السنة، بدأ الجزائريون في مراجعة ميزانياتهم العائلية، خصوصا بعدما أدركوا أن أسعار الوقود ارتفعت بنسب وصلت إلى 40 بالمئة.

يأتي ذلك، فيما أظهر تقرير حديث صادر عن البنك الدولي، أن عدد الفقراء في الجزائر ارتفع إلى 9 ملايين شخص، مقارنة مع ثمانية ملايين شخص في تقديرات سابقة، لافتا إلى أن 20 بالمائة منهم، ينفقون أقل من 4 دولارات فقط يوميا.

وأوضح التقرير أن الجزائريين ينفقون أكثر من 17.5 مليار دولار أي أكثر من ثلث أموالهم في الغذاء ما يعادل 44 بالمئة من السكان، يلي ذلك قطاع السكن بحوالي 20 بالمئة.

وكان الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة قد أقر بعمق الأزمة الاقتصادية. وقال قبل أيام إن “الأزمات الاقتصادية الخانقة التي طالت ارتداداتها الجزائر وتأثرت بسببها المدخرات تدفع إلى مراجعة نمط الاستهلاك ووتيرة العمل”.

وبدأت تداعيات انخفاض أسعار البترول في الأسواق العالمية تظهر على القطاعات المرتبطة مباشرة بالوقود مثل النقل. ورغم أن الحكومة أعلنت أن لا تغيير في تسعيرة النقل، إلا أن سائقي سيارات الأجرة وحافلات النقل سارعوا إلى المطالبة بالتعويض، وبعضهم رفع تسعيرته دون انتظار موافقة وزارة النقل.

ويرى الخبير الاقتصادي الجزائري إسماعيل لالماس أن الأمر كان متوقعا. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية إن “زيادة أسعار الوقود والكهرباء والغاز تؤثر مباشرة على القدرة الشرائية للجزائريين”.

خبراء اقتصاديون جزائريون يتوقعون أن تنتهي سنة 2016 باحتياطي عملة لا يتعدى 100 مليار دولار

وأشار إلى أن “القدرة الشرائية تأثرت أيضا بفعل انخفاض قيمة الدينار الجزائري مقابل اليورو”، بما أن الجزء الأكبر من الواردات الجزائرية مصدره دول منطقة اليورو.

وخلال بضعة أشهر، انخفضت قيمة العملة الجزائرية من 99 دينارا مقابل يورو واحد إلى 117 دينارا. ويقول الخبير الاقتصادي “بما أننا نستورد كل شيء، فإن النتيجة ستكون ارتفاع أسعار كل السلع”.

وفي السوق الموازية، التي تحدد فعليا بالنسبة إلى الجزائريين قيمة العملة بسبب عدم وجود مكاتب صرف رسمية، بلغ سعر اليورو 180 دينارا جزائريا.

ولم تنجح تصريحات الوزراء لجهة أن الأزمة الاقتصادية لن تدوم طويلا وأن الدولة تملك الحلول المناسبة لمواجهة انخفاض أسعار النفط، في الطمأنة.

وفي خضم ذلك، حذر مصطفى زبدي، رئيس جمعية حماية المستهلك الجزائرية من السلوكات الانتهازية للتجار، بعد تسجيل زيادات عشوائية لمختلف المواد الاستهلاكية والخدماتية، دون التفكير في تبعات ذلك.

وأكد في تصريح لـ”العرب”، الاثنين، أن البلاد “تشهد فوضى غير مسبوقة في رفع أسعار المواد الاستهلاكية، حيث استغل البعض فرصة تمرير قانون الموازنة العامة للعام الحالي، للرفع من الأسعار دون أي مراعاة للقدرة الشرائية للجزائريين”.

9 ملايين شخص هم عدد الفقراء في الجزائر، بحسب ما أشار إليه أحدث تقارير البنك الدولي

ويشن نشطاء عبر الشبكات الاجتماعية حملة لمقاطعة شركات الاتصالات التي قررت رفع أسعار الاتصالات اللاسلكية والإنترنت بنسبة مئة بالمئة، ودعوا إلى عدم إجراء أي اتصالات، اليوم الثلاثاء، لمدة خمس ساعات، من أجل دفع المتعاملين إلى إعادة النظر في الزيادات المقررة.

وانتقلت موجة الغضب أيضا إلى موزعي الحليب الذين دخلوا في إضراب للمطالبة بمراجعة هامش الربح على مادة مدعومة من ميزانية الدولة ولم تمسها أي زيادة منذ أكثر من عشر سنوات، لكن الأمر لا يخلو من التبعات السيئة.

وبحسب تقرير حول الوضع الاقتصادي للبلاد، الذي كشف عنه محافظ بنك الجزائر المركزي محمد لكصاسي، الأربعاء الماضي، فإن احتياطات الجزائر من العملات الأجنبية انخفضت بأكثر من 32 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من سبتمبر 2014 إلى الفترة نفسها من العام الماضي.

وانتقلت الاحتياطات من 185 مليار دولار الى 152 مليارا خلال هذه الفترة، في نتيجة مباشرة “لتأثير الصدمة الخارجية بعد التراجع الكبير والمتواصل لأسعار النفط في الأسواق الدولية”، بحسب لكصاسي.

ويتوقع لالماس الذي يرأس جمعية “مساعدة المصدرين”، أن تنتهي سنة 2016 باحتياطي عملة لا يتعدى 100 مليار دولار. وقال “نحن نتجه مباشرة نحو كارثة، فالعجز في الميزانية يبلغ 40 مليار دولار ولا نعرف كيف نسده، في ظل التراجع المستمر لموارد صندوق ضبط الإيرادات”.

وصندوق ضبط الإيرادت هو صندوق سيادي يتم تمويله من الفرق بين سعر النفط الحقيقي والسعر المرجعي (37 دولارا)، الذي على أساسه يتم إعداد ميزانية الدولة. وتعتمد عليه الحكومة لتمويل العجز في الميزانية.

وتوقع الخبير الاقتصادي والوزير الأسبق بشير مصطفى أن ينكمش صندوق ضبط الإيرادات إلى 21 مليار دولار في نهاية 2016 مقابل حوالي 60 مليار دولار في بداية 2015.

وتمكنت الحكومات المتعاقبة فترة حكم الرئيس الحالي خلال السنوات الماضية، التي شهدت ارتفاعا في أسعار النفط من استثمار أكثر 500 مليار دولار في ثلاث خطط خماسية، لكن تراجع سعر البرميل، يجعل من الصعب الاستمرار في الخطة الخماسية (2014-2019) لاستثمار 260 مليار دولار التي وعد بها بوتفليقة.

10