الجزائر تغامر بجولة جديدة من التقشف وخفض الإنفاق العام

كشفت تسريبات جديدة أن الحكومة الجزائرية تستعد لاتخاذ المزيد من إجراءات التقشف، بعدما ألمحت مسودة موازنة السنة المالية المقبلة إلى وقف التشغيل الحكومي وتقليص كتلة الأجور وتجميد برامج التدريب في الخارج والمشاركات في المؤتمرات الدولية بهدف خفض الإنفاق.
السبت 2017/05/27
أحمال تثقل كاهل المواطنين

أكدت مصادر مطلعة أن وزير المالية في الحكومة المنتهية ولايتها بموجب الانتخابات التشريعية التي جرت مطلع الشهر الجاري، وضع الخطوط العريضة للوزير الذي سيتولى حقيبة المالية عبر توجيهات أولية تعكس التوجهات التقشفية خلال السنوات القادمة.

وذكرت أن الوزير حاجي بابا عمي أوصى بضرورة الالتزام بحزمة إجراءات جديدة تهدف إلى تقليص النفقات العمومية، من أجل الحفاظ على التوازنات المالية الكبرى، وعلى رأسها وقف التشغيل في القطاعات الحكومية وتقليص فاتورة الرواتب في الوظائف العامة.

وتأتي التوجهات الاقتصادية للسلطة في إطار برنامج أطلقت عليه الحكومة اسم “النموذج الاقتصادي الجديد” ويمتد من عام 2015 إلى 2019.

ويرى محللون أن البرنامج ستكون له تداعيات اجتماعية قاسية لأن الوظائف الحكومية تعد المصدر الأول للتشغيل في البلاد، خاصة في ظل التأكيد على عدم تعويض العمال والموظفين الذين يحالون على التقاعد.

عبدالمالك سلال: قطاع التوظيف الحكومي متشبع ويعمل فيه أكثر من 2.5 مليون موظف

وينتظر أن تساهم الإجراءات الجديدة، في خلق ضغوط جديدة غير معلومة النتائج، على صناديق الضمان الاجتماعي والتقاعد، التي تعاني من تهديدات بالإفلاس، بسبب تصاعد وتيرة التقاعد في الأشهر الأخيرة، في ظل توجه عشرات الآلاف من العمال لطلب التقاعد، قبل دخول قانون العمل الجديد حيز التنفيذ.

وكشفت مصادر رسمية أن صندوق التقاعد استقبل أكثر من 40 ألف طلب للتقاعد خلال الأشهر الأخيرة من قطاع التربية والتعليم لوحده، الأمر الذي يثير قلقا اجتماعيا في أوساط الموظفين الحكوميين من معايير قانون العمل الجديد.

وتشهد الجبهة الاجتماعية في الجزائر حراكا احتجاجيا مستمرا طيلة الأشهر الأخيرة، يقوده ما يعرف بالتكتل النقابي المستقل، للتعبير عن رفضه لقانون التقاعد والعمل والدفاع عن القدرة الشرائية للعمال، وهو الأمر الذي ترفضه الحكومة بدعوى الحفاظ على التوازنات المالية للصناديق الاجتماعية المهددة بالإفلاس.

ومن المتوقع أن تتفاقم أزمات التشغيل في ظل الشلل الذي يعاني منه قطاع البناء والارتباك في عقود إنجاز المشاريع السكنية، وهو ما استدعى تدخل رئيس الوزراء عبدالمالك سلال المنتهية ولايته، لبحث الأزمة التي تؤثر بشكل كبير على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية.

وذكرت مصادر في قطاع مقاولات البناء أن نحو ألف شركة تعاني من حالة إفلاس حقيقي، بسبب عدم تلقيها لمستحقاتها العالقة لدى الهيئات المتعاقد معها، وهو ما دفعها إلى تسريح عمالها ومغادرة مواقع العمل.

ورغم تدخل الحكومة لضخ نحو 1.2 مليار دولار لصالح تلك الشركات في الأيام الأخيرة، فإن تضارب التصريحات بين وزيري السكن عبدالمجيد تبون، الذي سيخلف سلال في رئاسة الحكومة، ووزير المالية حاجي بابا عمي حول ملابسات القضية، يوحي بحجم الصعوبات المالية التي تحاصر القطاع، رغم محاولات التكتم الحكومي على القضية.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة البطالة لا تتعدى نسبة 10 بالمئة، إلا أن المؤشرات الاقتصادية، توحي بأن الأرقام أكبر من ذلك وهي مرشحة للارتفاع في الأشهر القادمة، مع تقلص نشاط شركات البناء وتوجيهات وقف التشغيل في القطاعات الحكومية.

حاجي بابا عمي: السماح بتعويض شخص واحد مقابل كل 5 موظفين يحالون على التقاعد

ويظهر الإقبال الكثيف الذي وصل إلى حدود المليون طلب للفوز بنحو 50 ألف وظيفة عرضتها الحكومة في الصيف الماضي في قطاع التربية والتعليم، حجم الأزمة في سوق العمل. كما تقدم نحو نصف مليون شخص إلى 10 آلاف وظيفة عرضتها الحكومة في نفس القطاع خلال الأسابيع الأخيرة.

وأكدت التسريبات أن حجم الإنفاق في قانون الموازنة العامة للسنة المالية المقبلة التي يجري إعدادها سيبلغ نحو 68 مليار دولار ويستند إلى سعر 50 دولارا لبرميل النفط. وأشارت إلى أنها لن تتضمن أي زيادة في الأجور، إلا في حالة الترقيات على ألا تتجاوز 1.5 بالمئة.

وأوصت توجيهات وزير المالية “بتعويض وظيفة واحدة فقط مقابل كل خمسة وظائف تصبح شاغرة بسبب الإحالة على التقاعد”.

ويرى محللون أن الحكومة تجازف بوقف التشغيل في القطاع العام والتضييق على تعويض المناصب الشاغرة في إطـار محاولاتها تقليص فاتورة أجـور الوظـائف الحكـومية من أجل توفير 6 مليـارات دولار للخزينة العمومية.

وسبق لرئيس الوزراء المنتهية ولايته أن شدد على ضرورة “عدم فتح فرص جديدة في الوظيفة العمومية، بعدما تشبع القطاع بأكثر من 2.5 مليون موظف”.

وأكد مراقبون أن تلك التصريحات تمهد لإغلاق فرص التشغيل في القطاعات الحكومية رغم تداعيات القرار على الاستقرار الاجتماعي، خاصة وأن ربع مليون شاب يتخرج سنويا من الجامعات والمعاهد ويلتحق بجيوش الباحثين عن فرص العمل الشحيحة في البلاد.

وأضافوا أن سوق العمل لا يقدم أيّ وظائف تذكر في ظل الإجراءات التقشفية المنتظرة في القطاع الحكومي، الذي كان على مدى عقود الوجهة الأولى للحصول على فرص العمل.

10