الجزائر تغير النموذج الاقتصادي بتصدير الصناعات العسكرية

رهان على تنويع مصادر الدخل وتخفيف ارتهان الاقتصاد للنفط.
الثلاثاء 2020/11/24
إرادة الشباب تبني جزائر الغد

أدركت الجزائر أن نموذج الاقتصاد المرتهن للنفط راكم الصعوبات الاقتصادية في ظل تقلّبات الأسعار، ما دفع الحكومة إلى تحسين استغلال الإمكانيات المتاحة لتغيير منوال التنمية في خطوة أولى يجسّدها بدء تصدير منتجات الصناعات العسكرية.

الجزائر -  تسعى الجزائر إلى تغيير منوالها الاقتصادي، استجابة إلى مقتضيات الواقع في ظل تقلص إيرادات الطاقة نتيجة تهاوي أسعار النفط، وتداعيات كورونا على الأنشطة التجارية، الأمر الذي دفعها إلى مراجعة خطتها الاقتصادية والمراهنة على تصدير الصناعات العسكرية لتعزيز إسهاماتها في عوائد البلد.

وشكل إعلان قيادة مؤسسة الجيش في الجزائر عن خطة الإنتاج الاقتصادي ودخول الصناعات العسكرية المحلية للأسواق الدولية، تحولا لافتا في توجهات المنوال الاقتصادي الجديد في الجزائر، عبر التوجه إلى استغلال كل الإمكانيات المتاحة بما فيها الصناعات العسكرية.

وأعلن الرجل الأول في المؤسسة الجنرال سعيد شنقريحة، في تصريح له أمام إطارات وممثلي القطاع، أن “منتجات القطاع من الصناعات العسكرية تجاوزت احتياجات الجيش، والأسلاك المشتركة والسوق المحلية، ويتعين الآن توسعيها لاقتحام الأسواق الإقليمية والدولية”

سعيد شنقريحة: صناعتنا العسكرية تجاوزت حاجياتنا وينبغي الانفتاح على الأسواق

ومع أنها تحمل دلالات استراتيجية وجيوسياسية، إلا أن الإعلان عن دخول الصناعات العسكرية للأسواق الدولية، ينطوي على رؤية اقتصادية للسلطة الجديدة في البلاد، تضمنتها الخطة التي أعلنها الرئيس عبدالمجيد تبون، والقائمة على توظيف واستغلال كل الإمكانيات المتاحة، من أجل الوصول إلى بديل حقيقي للريع النفطي.

وكما توجه الاهتمام إلى مسح جديد للإمكانيات النفطية والغازية التي تملكها  البلاد، عبر الانفتاح مجددا على مستثمرين أجانب في هذا القطاع، تم أيضا التركيز على استغلال الثروات المنجمية كالحديد والفوسفات والذهب، ووضع آليات جديدة لتنظيم القطاع، من أجل خلق ثروات جديدة واستقطاب اليد العاملة.

وكانت السلطة الجزائرية قد سارعت إلى مراجعة قوانين الاستثمار والنفط، حتى قبل الانتخابات الرئاسية التي جرت في ديسمبر الماضي، حيث أدرجت العديد من المحفزات للمستثمرين الأجانب على غرار الرسوم والضرائب والحقوق التي ساهمت في تنفير هؤلاء خلال السنوات الأخيرة عن السوق النفطية الجزائرية، كما عملت عبر المنظومة التشريعية على تحسين مناخ الاستثمار، غير أن الجائحة المرضية عطّلت توجهات الحكومة.

ويعرف الاقتصاد الجزائري وضعا خانقا تجلى في مخرجات قانون المالية الجديد، الذي سجل اختلالا غير مسبوق فاق الـ22 مليار دولار، أي ما يعادل أكثر من 13 في المئة من مجموع الناتج الداخلي الخام، ومع ذلك سجل القانون توقعات بتحقيق نسبة نمو تفوق الـ04 في المئة.

وذهب الخبير الاقتصادي حميد علوان إلى أن “الحكومة مازالت تعتمد على الثروات الباطنية ولم تفك الارتباط بالنفط والغاز، وتوجهت الآن إلى استغلال المناجم، وحتى بناء الموازنة السنوية على سقف سعر نفطي يتراوح بين 40 و45 دولارا للبرميل هو مغامرة في حد ذاته، لأن السوق الدولية مازالت تحت رحمة وباء كورونا والتجاذبات الجيوسياسية”.

ولفت المتحدث إلى أن الحديث عن تحقيق نسبة نمو تفوق الـ04 في المئة، في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد العالمي من انكماش غير مسبوق، هو سقف يلفّه الكثير من الغموض، خاصة وأن الاقتصاد المحلي سجل خلال العام الجاري والماضي نسبة نمو سلبية وصلت إلى ناقص 6 في المئة.

وأكد الخبير الاقتصادي عبدالقادر بريش لـ”العرب”، أن “الرفع من موازنة التجهيز يؤكد نية الحكومة الإبقاء على الاستثمار في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدماتية، وهو ما سيساهم على محدوديتها في الحفاظ على فرص الثروة المسجلة واستقطاب اليد العاملة”.

وأضاف بريش أن “فك الارتباط مع الثروة النفطية والمنجمية سيكون تدريجيا، وأن الحكومة تخطط لاستغلال كل الإمكانيات المتاحة لديها، بداية من المنظومة التشريعية، إلى استثمار الكفاءات البشرية واقتصاد المعرفة، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة”.

وفي هذا الإطار دعا الوزير المنتدب لدى الوزير الأول المكلف بالمؤسسات المصغرة نسيم ضيافات، الشباب المالكين لمؤسسات صغرى في إطار مخطط تشغيل الشباب التقليدي، والذين سجلوا تعثرا أحالهم على القضاء بسبب عدم وفائهم بالتزاماتهم تجاه البنوك المرافقة لهم، إلى مراجعة تلك البنوك لترسيم جدولة جديدة.

وجاءت الخطوة المذكورة في إطار مساعي الحكومة إلى النهوض بقطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ووقف المتابعات القضائية في حق الشباب المتعثرين، من أجل مساعدتهم مجددا على خلق توازنات مالية لمؤسساتهم، لاسيما وأن إحصائيات رسمية تتحدث عن حاجة البلاد إلى مليوني مؤسسة مصغرة، بينما لا تملك حاليا إلا نحو 600 ألف مؤسسة. 

عبدالقادر بريش: الحكومة ستغير التشريعات للاستثمار في الكفاءات البشرية

وفي خطوة لمراجعة المنظومة التشريعية لمرافقة القطاعات الصناعية والتركيبية، بعدما كبدت الخزينة العمومية خسائر قدرت بنحو ستة مليارات دولار خلال السنوات الماضية، بسبب نشاط تركيب السيارات والمركبات، قررت الحكومة إعادة النظر في فرض الرسوم والضرائب على مختلف الأنشطة.

وتم في هذا الشأن استثناء نشاط تركيب الهواتف النقالة والأجهزة الإلكترومنزلية، من الضريبة على القيمة المضافة، مقابل التشديد على تحقيق نسبة اندماج لا تقل عن الـ30 في المئة في البداية ثم ترتفع إلى نحو 70 في المئة عند بداية العام الثاني من النشاط.

وعلى صعيد آخر تتجه الحكومة إلى مراجعة منظومتها المصرفية، في خطوة ثانية أعقبت إدراج الصيرفة الإسلامية على عموم البنوك والمصارف المحلية، كواحد من المنتوجات التي يعول عليها لامتصاص السيولة المالية الناشطة في السوق الموازية والمقدرة بنحو 60 مليار دولار.

كما أعلن وزير المالية أيمن عبدالرحمن، عن شروع الحكومة في إعداد نص تشريعي يتم بموجبه فتح رأسمال البنوك الحكومية على الاستثمار، في خطوة جريئة سبق لها أن تعثرت سابقا، لكنه يراهن عليها حاليا لخلق ديناميكية جديدة في القطاع المصرفي من أجل تحفيز الدورة الاقتصادية في البلاد.

10