الجزائر تقدم تنازلات سيادية تنهي سياسة الاستثمار القديمة

إسقاط حق الشفعة وقاعدة الأغلبية لإغراء الأجانب بالعودة للاستثمار في البلاد.
الخميس 2020/05/14
في ترقب رياح الإصلاح

انتقلت الجزائر إلى المربع التالي من خطوات الإصلاح الاقتصادي المتثاقلة، والتي يطالب بها الحراك الشعبي منذ الإطاحة بنظام عبدالعزيز بوتفليقة، وبدأت تظهر انفتاحا أكبر عقب سنوات من الانغلاق ضمن دائرة السياسات الاستثمارية القديمة عبر تقديم تنازلات سيادية يرى خبراء أنها محاولة مثيرة للشكوك مع استمرار الدولة على إدمان عوائد النفط.

الجزائر - اتخذت الجزائر مؤخرا قرارات اقتصادية مثيرة للجدل تهدف إلى وضع حد لسياسات الاستثمار القديمة بهدف إنعاش الاقتصاد المتأزم نتيجة تراجع عائدات النفط ولجوء الحكومة إلى احتياطات النقد الأجنبي في البنك المركزي.

وبعدما كان قانون الشفعة وقاعدة الشراكة مع المستثمرين الأجانب يدخلان في صلب خطاب السيادة طيلة سنوات، باتا اليوم تحت ضغوط إكراهات داخلية وأخرى خارجية، جزءا من الماضي.

ويطرح هذا الأمر التساؤلات حول جدوى التنازلات المتتابعة، في ظل “تعفن” مناخ الأعمال السائد، وتقلص هامش مناورة الحكومة المركّزة على تقفي آثار المداخيل الريعية من تجارة النفط والغاز، بعدما عجزت عن إيجاد بدائل حقيقية تساعدها على تحقيق معدلات نمو مقبولة.

وأعلن مجلس الوزراء المنعقد مطلع هذا الأسبوع، برئاسة عبدالمجيد تبون، عن تنازل الحكومة عن قانون الشفعة وقاعدة الأغلبية المعروفة 49/51 المتعلقة بالاستثمارات الخارجية، في خطوة توحي باستعداد السلطة الجديدة لتقديم المزيد من التنازلات، من أجل إعادة الجاذبية الاقتصادية للبلاد، واستقطاب رؤوس أموال أجنبية للاستثمار في مختلف المجالات.

وجاء قرار إلغاء قانون الشفعة، وإبقاء مفعوله على نطاق ضيق في يد رئيس الوزراء، في ظل جدل متصاعد حول قدرة الجزائر على تنفيذ القانون المذكور بعد تراجع مقدراتها المالية، وإمكانات تدخل الخزينة العامة لشراء بعض الأصول.

44 مليار دولار الاحتياطات النقدية المتوقعة بنهاية 2020 هبوطا من 62 مليار دولار بمقارنة سنوية

وسبق أن اشترت الدولة أصولا من شركة جيزي للاتصالات الخلوية، وشركة أناداركو، التي أعلنت توتال الفرنسية مؤخرا عن انسحابها من الصفقة تحت ضغط الحكومة الجزائرية بتوظيف قانون الشفعة.

وقدرت أصول شركة أناداركو النفطية المملوكة لأوكسيدونتال الأميركية بأكثر من 8 مليارات دولار موزعة في الجزائر ودول أفريقية.

وسعت توتال إلى شراء أناداركو بعد توافق مبدئي مع الجزائريين، إلا أن دخول معطيات سياسية على الخط، دفع بالجزائر إلى التلويح بحق الشفعة، وإعلان الشركة الفرنسية خلال الأسبوع الماضي عن انسحابها من الصفقة.

ومع إلغاء القانون القديم قد تُبعث الصفقة من جديد، خاصة وأن الجزائر لا تملك الموارد المالية الكافية لشراء أناداركو، التي بقيت في ذمة الشركة الأم أوكسيدونتال.

كما ينتظر أن يسمح رفع قاعدة ضمان الأغلبية المحلية في الاستثمارات الأجنبية، بانجذاب رؤوس أموال جديدة إلى البلاد، رغم المناخ الاقتصادي والسياسي المحبط بسبب عدم الاستقرار الاجتماعي والمؤسساتي والتشريعي، فضلا عن تواجد عدد من رجال المال الكبار رهن الحبس بتهم الفساد.

واعتمدت الجزائر قانون الشفعة وقاعدة الأغلبية منذ سنوات في إطار الحفاظ على ما تسميه بـ”سيادة الدولة على رأس المال المحلي، والحيلولة دون تحول أصول الشركات إلى صفقات بيع وشراء على حساب مصالح الدولة”، إلى جانب إبقاء غالبية الأسهم في المشروعات الاستثمارية بحوزة الرأسمال المحلي سواء كان حكوميا أو خاصا.

جدل جزائري حول قدرة الحكومة على تنفيذ قانون الشفعة بعد تراجع مقدراتها المالية في ظل انحسار عائدات الطاقة

وتسبب القانونان في نفور العديد من الاستثمارات الأجنبية خاصة في مجال الطاقة، منذ دخولهما حيز التنفيذ في منتصف العشرية الأولى من الألفية الجديدة.

وتكبد قطاع النفط خسائر كبيرة جراء عزوف الشركات الكبرى عن الإقبال على العروض المطروحة خلال السنوات الست الماضية، حيث تسجل الجزائر تراجعا تدريجيا في استكشاف وإنتاج النفط الذي نزل دون سقف المليون برميل يوميا.

ويبدو أن السلطة التي تتوجه إلى الاستثمار في الثروات الأخرى، لتعويض ورقة النفط المتآكلة، بصدد ترتيب الأرضية لإغراء الشركات الكبرى بالاستثمار في قطاعات المعادن والثروات الباطنية، التي تنوي استغلالها، على غرار الذهب واليورانيوم والحديد، وذلك عبر مراجعة الترسانة التشريعية لتصبح أكثر جاذبية، ولو بتقديم تنازلات متتابعة.

ويعد منجم غار جبيلات بأقصى الجنوب الغربي للبلاد، من أكبر خزانات الثروات الباطنية، وقد شرعت حكومتا عبدالمالك سلال وأحمد أويحيى، في دراسات معمقة حول استثمار المنجم في أعقاب نذر الأزمة النفطية منتصف العام 2014.

ولكن التطورات السياسية المتسارعة بعد سقوط نظام عبدالعزيز بوتفليقة العام الماضي، عطلت المشروع قبل أن يكون من ضمن أولويات الحكومة الجديدة.

واستثنت القرارات الجديدة وفق بيان الحكومة “القطاعات الاستراتيجية وأنشطة شراء وبيع المنتجات”، في إشارة إلى قطاعات المعادن والنفط والغاز، لكن ذلك يجعل رفع القاعدة دون جدوى اقتصادية، في ظل غياب شبه كلي للاستثمارات خارج النفط والمعادن.

صفقات بيع وشراء على حساب مصالح الدولة
صفقات بيع وشراء على حساب مصالح الدولة

ويعطي الانطباع أن الحكومة تريد التعتيم على توجهاتها الاقتصادية مخافة ارتدادات سياسية واجتماعية، وهو ما تؤكده عملية مراجعة قانوني المحروقات والاستثمار في شهر نوفمبر الماضي، على يد المؤسسات الانتقالية التي كانت تدير البلاد آنذاك.

كما قررت الحكومة رفع معدل الاقتطاع من المصدر للشركات الأجنبية العاملة بعقود تأدية خدمات في الجزائر من 24 في المئة إلى 30 في المئة بهدف تشجيعها على فتح مكاتب بالبلاد، فضلا عن إلغاء حق الشفعة واستبداله بالترخيص المسبق للاستثمارات الأجنبية، وإلغاء إلزامية تمويلها باللجوء إلى التمويلات المحلية.

واعتبر اقتصاديون أن إعفاء مصانع تجميع المركبات المنشأة منذ العام 2014، من الامتيازات الضريبية والجمركية، التي كانت تحظى بها في قوانين الموازنات السنوية الماضية، دليل آخر على مساعي الحكومة لمسح كافة آثار التركة الاقتصادية الموروثة عن النظام لسابق.

ومع عودة نشاط الاستيراد للسيارات إلى الواجهة بموجب القرار الحكومي الأخير، يتوقع أن تشهد المصانع منافسة شديدة مع تراجع كبير لهامش الربح في نشاطها، قد يعرض العديد منها إلى إعلان الإفلاس وتسريح اليد العاملة، خاصة وأن وجودها ارتبط بمرحلة سياسية وليس بوتيرة اقتصادية.

وتتوقع الحكومة تراجع الاحتياطات النقدية إلى 44 مليار دولار بنهاية العام الجاري، نزولا من نحو 62 مليار دولار نهاية العام الماضي.

10