الجزائر تقر بعجزها عن مواجهة لوبيات الفساد المالي

الخميس 2015/04/02
صادرات النفط شريان الحياة الوحيد في الجزائر

الجزائر- أقرّ رئيس الوزراء الجزائري عبدالمالك سلال بفشل الحكومة في إدارة احتياطات العملة الصعبة خلال السنوات الماضية، وأنها لم تتمكن من حمايتها من النهب والتهريب الممنهج من طرف لوبيات نافذة. وقال مراقبون أنه يدين بذلك النظام السياسي الذي شجع إمبراطوريات الفساد في البلاد.

لم يكد ينتهي التحقيق في قضية نهب وتهريب العملة الصعبة حول تواطئ أحد البنوك الخاصة مع لوبيات الاستيراد، في تهريب حوالي 400 مليون دولار العام الماضي، حتى تفجرت قضية أخرى في مطار هواري بومدين، يحاصرها التكتم حتى الآن، وتتعلق بضبط أحد الأجانب وهو يقوم بتهريب مبلغ كبير من العملة الصعبة.

وذكرت مصادر مطلعة في تصريح لـ”العرب” أن سلطات الأمن بمطار الجزائر، ضبطت مواطنا فرنسيا خلال محاولة تهريب 82 مليون دولار إلى الخارج، وأنه محتجز الآن لدى الفرقة الإقتصادية لجهاز الأمن للتحقيق معه في هذه القضية.

وقالت “إن المهرب الذي تعود على التردد على الجزائر، يملك عدة جوازات سفر، وأنه تظاهر مرة بأنه ديبلوماسي وأخرى رجل أعمال، حين سئل عن الكميات المحدودة من العملة الصعبة التي كان يصرح بها لدى دخوله البلاد”.

أسعد ربراب: الجزائر تعاني البيروقراطية وهيمنة الذهنيات الفاسدة على مفاصل الاقتصاد

وفوجئت الأوساط الجزائرية باعتراف رئيس الوزراء عبدالمالك سلال، بفشل الحكومة في إدارة احتياطات العملة الصعبة خلال السنوات الماضي، حين قال في ندوة التجارة الخارجية المنعقدة بالعاصمة، إن الحكومة فشلت في حمايته من النهب والتهريب الممنهج من طرف لوبيات نافذة.

ويقول محللون إن تلك التصريحات تمثل إدانة للنظام السياسي، الذي شجع إمبراطوريات الفساد على بناء شبكة علاقات في الأجهزة الرسمية للإستحواذ على مقدرات البلاد، تحت غطاء الاستيراد، الذي سجل أرقاما قياسية، من المتوقع أن تصل إلى 65 مليار دولار خلال السنة الجارية.

وأكد مشاركون في الندوة الوطنية حول التجارة الخارجية، أن الجزائر تملك مقومات كبيرة تمكنها من تطوير الاقتصاد وتنويع الصادرات، لكنها لم تصل بعد إلى إستغلال تلك الفرص لزيادة قدرتها التنافسية لفرض حضورها في الأسواق العالمية.

وقال ممثل البنك الدولي إيمانويل نوبيس نغانكام، إن اقتصاد الجزائر يعاني من عجز الموازنة وميزان المدفوعات، بسبب هيكل التجارة الخارجية، ما يفرض عليه تنويع الصادرات. وأكد أن ضعف القدرة التنافسية يعكس صعوبة فرض المنتجات الجزائرية بالأسواق العالمية.

ودعا إلى توظيف الموارد المتاحة في الجزائر، كانخفاض تكاليف الطاقة واليد العاملة وتوفر شبكة اتصالات واسعة، لإنشاء “قاعدة صناعية إقليمية”، وأشار إلى ضرورة تحسين مناخ الأعمال، وإعادة صياغة التنظيم المعمول به وتحرير المبادرات من أجل بلوغ الأهداف.

وأكد رئيس مجموعة سيفيتال أسعد ربراب، أن المؤسسات الجزائرية قادرة على ضمان منتوج يستجيب للمعايير الدولية كما ونوعا، وأن الجزائر تملك موارد كبيرة، لكنها تعاني من البيروقراطية وهيمنة الذهنيات الفاسدة على مفاصل الإقتصاد المحلي.

وقال مدير عام الوكالة الجزائرية لترقية التّجارة الخارجية خمنو بوخالفة، أن أهم المحاور التي ارتكزت عليها الندوة تتعلق بإعادة تأهيل آليات الدعم بما فيها صندوق ترقية الصادرات، بمشاركة 1200 من ممثلي السلطات العمومية والخبراء والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين.

واوضح أن تدخلات السلطات العمومية في التجارة الخارجية لا تزال لحد الآن بعدية كرد فعل لظروف خاصة، وهو الأمر الذي يحتاج إلى إعداد إستراتيجية وطنية على المديين المتوسط والطويل يتفق عليها الجميع ويشارك فيها كل الفاعلين.

عبدالمالك سلال يقر بأن الحكومة فشلت في حماية الاقتصاد من النهب من قبل لوبيات نافذة

وأضاف أن الأوضاع الاقتصادية المتعثرة ناتجة عن تراكمات تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، وأدت إلى تعطيل الصناعة الجزائرية مما جعل 60 بالمئة من الواردات موجهة للسلع المصنعة و16 بالمئة منها إلى مواد أولية واسعة الإستهلاك كالقمح والحليب.

وأضاف أن الحل يكمن في العودة إلى الإنتاج من خلال إعادة تأهيل المؤسسات، وتوجيه دعم الدولة لفائدة القطاعات والمؤسسات القادرة على العودة إلى السوق والمنافسة كقطاع الصيدلة والفلاحة والميكانيك والكيمياء والبتروكيمياويات.

وشدد بوخالفة على ضرورة إعادة النّظر في توجيه الإنتاج نحو أسواق أخرى غير السوق الأوربية، وتحسين ظروف بيئة الأعمال من أجل تسهيل جذب المستثمر الخارجي. وأكد أن الجزائر صنفت في المرتبة 75 من بين 82 دولة في مجال المناخ الاستثماري، نتيجة البيروقراطية وتردي النظام المصرفي والأسواق الموازية لتحويل العملة.

وأكدوا محللون لـ”العرب” أن تبييض أموال الفساد من خلال تهريب العملة يستنزف اقتصاد الجزائر، وهو لا يقف عند أرقام معينة تصرح بها المصالح المختصة، وأن “ما خفي كان أعظم”. وأضافت أن شبكات وإمبراطوريات الفساد والتهريب ونهب الإقتصاد المحلي، تتحكم في المواقع الحساسة كالمطارات والموانئ وأجهزة الرقابة والأمن، وتوظف شبكاتها في الدوائر الرسمية لإبتلاع مقدرات البلاد الإقتصادية.

وتابعت أن مظاهر الفساد بلغت درجات متقدمة وأصبحت مزمنة، أمام الصمت الحكومي المريب طيلة السنوات الماضية، لدرجة أن لوبيات التجارة الخارجية صارت تستخف بالبلد كلية. وقالت إن الهدف الوحيد لها هو تهريب العملة الصعبة، تحت أي مسمى حتى لو كان واردات حاويات قمامة أو فضلات مواد بناء. وتتظاهر الحكومة بأنها انتبهت أخيرا بعد فوات الأوان، وذلك بعد ضغوط الأزمة النفطية وتراجع مداخيل البلاد، لتعلن فتح ملف التجارة الخارجية.

11