الجزائر تقر معايير جديدة لعقلنة الإعلام الديني

تطهير الإعلام الجزائري من دعاة الفكر التكفيري والسحرة والكهنة وتجار الأحلام والمشعوذين والمتنبئين، خطوة مهمة تأخر إقرارها، بعد أن تفاقمت تجاوزات القنوات الفضائية التي استضافت دجالين، استغلوا فترة غياب قانون أو إطار منظم، لنشر التخلف والجهل.
الأربعاء 2017/01/18
الملف الديني يحمل خصوصية بالنسبة للمجتمع الجزائري

الجزائر - أعلنت السلطات الجزائرية، حظر كل داعية جزائري أو أجنبي، يحمل فكرا تكفيريا من الظهور أو التحدث إلى الإذاعات والقنوات بالجزائر، مشددة على احترام كل المذاهب الإسلامية، حتى المخالفة لاعتقاد الجزائريين.

وجاء في وثيقة نشرتها سلطة ضبط السمعي البصري، المكلّفة بمراقبة عمل القنوات والإذاعات بالجزائر، الأحد، منع أصحاب الرقية والسحرة والكهنة وتجار الأحلام والمشعوذين والمتنبئين والدجالين والأطباء المزيفين من أن يكونوا ضيوفا على وسائل الإعلام، وأعلنت السلطة أنها لن تسمح “لأي كان بأن يستخف بعقول الجزائريين ولو باسم الدين”.

وتنتشر العديد من القنوات الفضائية الجزائرية التي تروج للرقاة والمفتين والمشعوذين، وقد أثيرت مؤخرا ضجة كبيرة في الجزائر حول وفاة مريض بالسكري، إثر استخدامه دواء صنعه طبيب جزائري مزيف يدعى “زعيبط”، ودعمته إحدى القنوات الجزائرية، وقامت بحملة إعلامية كبرى للتعريف به.

واستغربت السلطة من استضافة دعاة الفتنة الفاقدين لأدنى تكوين والذين لا يتقنون حتى المبادئ الأولية لتقنيات الاتصال الحديثة، وحثّت على دعوة العلماء والباحثين الأكاديميين للمساهمة في رفع مستوى التفكير وعقلنة الخطاب الديني وصقل التحليل.

واعتبرت السلطة إصدار هذه الوثيقة بمثابة إبلاغ للإعلاميين في هذا التوقيت بالذات، عشية الانتخابات التشريعية القادمة، حيث يجب حفظ الدين الإسلامي من أي محاولة لاستغلاله أو استعماله، على حد تعبيرها.

وقال حسين بوربيع، نائب بالبرلمان الجزائري، في تصريحات صحافية، “لكي نفهم القرار وميعاد صدوره، يجب أن نعود قليلا إلى الوراء، الإعلام الخاص في الجزائر حديث النشأة، ومع الانفتاح الإعلامي للشركات الخاصة، منذ ثلاثة أعوام، كان ينص القانون الجزائري على هيئة ضبط السمعي البصري، وإنشاء تلك الهيئة أخذ بعض الوقت، بعد استشارة أهل المهنة، وعندما تشكلت بدأت في ممارسة مهامها بتنظيم هذا القطاع، واتخذت تلك القرارات”.

وأضاف بوربيع “القنوات الخاصة استغلت عدم وجود جهة ضبط، وقامت بعمل برامج لجلب مشاهدين، ومع تشكيل الهيئة بصفة رسمية قامت بوضع الأمور في نصابها، ومن تلك الأمور التي تم منعها في القنوات الخاصة، ظهور بعض غير المؤهلين، للكلام في الأمور العامة، ممن حصلوا على مكانة لا يستحقونها، في مجال السمعي البصري الجزائري”.

حدة حزام: القنوات التلفزيونية نشرت الشعوذة ودعت المجتمع للتخلف والعودة إلى الوراء

وأوضحت سلطة الضبط أن مقاربتها التحليلية الجديدة تندرج ضمن “تحرير الإيمان من الإفك وسائر الأوهام”، معربة عن أملها في رؤية الخطباء على وسائل الإعلام يلقون مواعظهم وفقا “للمعتقدات المحلية مع التزام عدم الولاء الفكري للتيارات المعادية للحداثة والمناهضة للوئام المدني والمتعارضة مع تقاليد سلفنا الصالح، بما في ذلك نمط لباسنا القومي”.

وأثار القرار ردود فعل واسعة في الجزائر، خصوصا بين رجال الدين والوسط الإعلامي، فمنهم من رحبوا بالخطوة رغم أنها جاءت متأخرة، واصفين إياها بالقرار الصائب، كونه “سيحمي المرجعية الدينية”، ومنهم من نددوا بهذه الخطوة لأنها كانت حيادية دون استشارة أهل الدين من أئمة وهيئات عليا في المجال.

وبدورهم، طالب الإعلاميون بتحديد من هم الرقاة والمشعوذون، وبوضع شروط لتنظيم آلية العمل لتفادي الخلط الموجود لدى المفهوم الاجتماعي، كون القنوات التلفزيونية ليست هي المشكلة.

وقال مدير الإنتاج بقناة “الشروق نيوز” تومي عياد الأحمدي، إن ما ذهبت إليه سلطة الضبط “جاء متأخرا، لأن الملف الديني يحمل خصوصيات أكثر من ملفات أخرى”، مشيرا إلى أن كل قضية مرتبطة بالدين مقدسة ووجب دائما أخذها بعين الاعتبار.

وأضاف عياد الأحمدي أن الملف الديني لا يمكن التساهل معه “لأنه مرتبط مباشرة بعقيدة وأمة، خاصة أننا سجلنا العديد من التجاوزات من القنوات التي استضافت دجالين استغلوا فترة غياب قانون أو إطار منظم”.

وأشارت سلطة الضبط أن هذه الوثيقة هي خلاصة عمل استطلاعي قامت به بالتنسيق مع شركاء رسميين لها بالأخص وزارة الشؤون الدينية والمجلس الإسلامي الأعلى، بمساهمة خبراء وعلماء في الميدان، وعدد من الشخصيات وعلماء الاجتماع والقانونيين وخبراء في مجال الإعلام والأئمة والخطباء.

ونوهت السلطة إلى أن “البعد الروحي غالبا ما يكون غائبا عن برامجنا الدينية فضلا عن الفلسفة الإسلامية المنعدمة الحضور على شاشاتنا، الأمر الذي من شأنه، في نهاية المطاف، أن يحبس الإيمان ويحصره في مجرد إيماءات وممارسات حركية عديمة المعنى”.

وحذّرت من حصر الإسلام في مجرد الرأي الفقهي العرضي، وإتاحة الفرصة للدين كي ينفتح على سائر مجالات الحياة حتى لا يسيطر على وسائل الإعلام السمعية البصرية خطاب اليأس والإحباط والقنوط والتعصب والطائفية والتشدد والكراهية والعنف والهذيان والتمييز العنصري وكراهية النساء، ما من شأنه أن يقوّض كرامة الإنسان المنصوص عليها في القرآن العظيم.

ومن جهتها، قالت الكاتبة حدة حزام إن “هذا القرار تأخر كثيرا، وكان من المفترض أن يتخذ منذ زمن، ولم نكن لنصل إلى تلك المرحلة، فالقنوات التلفزيونية نشرت الشعوذة، وتدعو المجتمع إلى التخلف والعودة قرونا إلى الوراء، وتدوس على العلوم وما وصلته الإنسانية من حضارة”.

وأضافت حزام “القرار جاء بعد دعوة من عدد كبير من كبار الإعلاميين، لوضح حد لهذه الفضائح الإعلامية لبعض القنوات الفضائية الصفراء”.

وتابعت “منذ بداية التعددية الإعلامية في الجزائر وظهور الفضائيات الخاصة، صرنا ننادي باستمرار لوقف هذه المهازل، لأنها دعوة لتخلف المجتمع، ودفن العقل والمنطق”.

كما عرّجت سلطة ضبط السمعي البصري على حوار الأديان، فأكّدت أن الاعتزاز بالإسلام لا يعني مهاجمة الأديان الأخرى مهما كانت أو ازدراءها ولا التطاول على رموزها أو الاستهتار بمعتقداتها ومقدساتها، كما أن الدّفاع عن المرجعية الوطنية، بالرغم من كونه من الفرائض المدنية، لا يعطينا الحق في شتم باقي المدارس الفقهية والكلامية حتى تلك المخالفة لنا في الاجتهاد والاعتقاد. ودعت إلى احترام جميع الأديان بلا استثناء.

18