الجزائر: تكنوقراط لإنتاج الأزمات

الخميس 2017/06/01

لماذا تجهض مؤسسة الرئاسة الجزائرية والأجهزة التي تعمل معها أسلوب التعددية الحزبية في التداول على الحكم ولماذا تطمس باستمرار نتائج الانتخابات وخاصة التشريعية منها؟

ثم لماذا لا يسمح النظام الجزائري للحزب الذي يحصل على الأغلبية البرلمانية أن يشكل حكومته أو لتحالف الأحزاب أن يفعل الشيء نفسه ثم يتحمل مسؤولية تسييرها لشؤون البلاد أمام الشعب؟

ولماذا هذا الإصرار على الاختفاء وراء ما يسمى بجهاز التكنوقراطيين؟ وهل يوجد تكنوقراطيون حقيقيون سواء في جهاز الحكومة الجزائرية المركزية أو في الإدارات الأساسية أو الفرعية في المحافظات أو في الدوائر والبلديات في المدن الكبرى والمتوسطة وفي الأرياف معا أم أن هذه التسمية مزيفة ومتوهمة فقط؟

ثم ما هي مسؤولية المدرسة العليا في العاصمة الجزائرية التي أصبحت متخصصة في تفريخ الوزراء والمسؤولين الإداريين الرديئين الذين صورهم لنا النظام الجزائري بأنهم تكنوقراط في حين هم مجرد مجموعة من الإداريين البيروقراطيين الفاشلين الذين عجزوا ولا يزالون عاجزين عن صنع التنمية الوطنية المتطورة في شتى الميادين منذ الاستقلال إلى يومنا هذا؟

كان من المفروض أن تقوم أحزاب السلطة، التي حازت على أغلبية مقاعد البرلمان في الانتخابات التشريعية الجزائرية التي جرت مؤخرا، بتشكيل الحكومة وتقديمها بعدئذ للتزكية من طرف مجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني ولكن الأمور قد جرت في هذه المرة أيضا وفقا للسيناريو المتكرر الذي اعتادت عليه مؤسسة الرئاسة الجزائرية.

وهكذا يبدو واضحا أن تشكيلة هذه الحكومة الجديدة التي عينها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في أعلى هرم أجهزة النظام الحاكم ليست تعبيرا عن نتائج الانتخابات البرلمانية التي خاضتها الأحزاب المعارضة والموالية ومجموعة من الشخصيات المستقلة، بل تعكس نفوذ موازين القوى على مستوى القصر الرئاسي وأجهزة الأمن والجيش بالدرجة الأولى.

ولا شك أن هذا الإجراء الذي نفذه النظام الجزائري خلال هذا الأسبوع رمي إلى تحقيق هدفين اثنين وهما التقليل من أهمية الأحزاب حتى وإن كانت موالية، ومن التعددية الحزبية كشكل لإدارة الحكم ديمقراطيا، وإظهار الرئيس بوتفليقة والأجهزة التي تسانده كقوى ذات قدرة كلية.

ومن المرجح أن الهدف الآخر الذي تريد قيادات النظام الجزائري، تحقيقه من وراء إسناد بعض الحقائب الوزارية لأحزاب السلطة والعدد الأكبر من الحقائب الوزارية للتكنوقراط، يتصل بطبيعة ذهنية السلطة الجزائرية التي تكرَس وجودها عن طريق تأبيد الشكل الهرمي للحكم الذي يستند في النظرية والممارسة إلى ثنائيتي السيد والعبد والآمر والمأمور.

أما تصفيق حزب جبهة التحرير الوطني وحزب التجمع الوطني الديمقراطي وحزب الحركة الشعبية لمثل هذا التوجه السلطوي الذي ينتهجه النظام الذي صنعها ولا يزال يوفر لها أسباب العمل كواجهة له، فيعني عندها في التحليل الأخير الظهور بمظهر ذلك الذي يعف عند المغنم ولكنها في حقيقة الأمر تريد تجنيب نفسها مسؤولية تفاقم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي تنخر جسد المجتمع الجزائري على مدى سنوات طويلة، والتي يمكن أن تنفجر في أي وقت كما أنها ترغب في أن تتفادى نقد الرأي العام الشعبي الجزائري لها.

في هذا السياق نتساءل هل حكومة الوزير الأول الجديد عبدالمجيد تبون تكنوقراطية حقا؟ وماذا تعني الحكومة التكنوقراطية في الأدبيات السياسية؟

لا شك أن تبون هو خريج المدرسة الوطنية للإدارة في نهاية الستينات من القرن الماضي وأنه عمل في الحقل الإداري في عدد من المحافظات، كما شغل منصب وزير عدة مرات في وزارات غير متناسبة مع تخصصه في الاقتصاد والمال، وإلى جانب ذلك فإن عددا من وزراء حكومته تخرجوا من المدرسة الوطنية العليا للإدارة فضلا عن كون عدد آخر منهم عملوا محافظين ومدراء مركزيين، ولكن مصطلح تكنوقراط لا ينطبق عليهم لأن ثمة فرقا بين الإداري الذي يقوم بالأعمال الإدارية و، وبين التكنوقراطيين الذين تعرفهم الموسوعات العلمية بأنهم النخب المثقفة الأكثر علما وتخصصا في مجال المهام المنوطة بهم وهم غالباً غير منتمين للأحزاب، وهم يمثلون حكم الطبقة العلمية الفنية المتخصصة المثقفة.

إذا كان الأمر هكذا فلماذا عجز الوزراء التكنوقراطيون الذين حكموا الجزائر على مدى سنين طويلة عن إخراج الجزائر من التخلف البنيوي ومن الدوران في الحلقة المفرغة، وبالتالي من إنتاج الأزمات وتسييرها على نحو نمطي؟

كاتب جزائري

9