الجزائر تنتخب برلمانها الثامن وسط ظروف سياسية واقتصادية معقدة

يتوجه الخميس نحو 23 مليون جزائري من المسجلين على اللوائح الانتخابية إلى مكاتب الاقتراع للتصويت على نواب المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان)، بعد ثلاثة أسابيع من الحملة الدعائية التي أدارتها الأحزاب السياسية والقوائم المستقلة المشاركة.
الخميس 2017/05/04
الجزائريون ملوا خطاب السلطة المكرر

الجزائر - تجري انتخابات البرلمان الثامن في مسار الجزائر المستقلة في ظروف سياسية واقتصادية معقدة في ظل الجدل الذي فرضه المقاطعون على الاستحقاق، والإكراهات التي أملاها تراجع مداخيل البلاد بسبب انهيار أسعار النفط منذ العام 2014 في الأسواق الدولية.

وسخرت وزارة الداخلية والجماعات المحلية إمكانيات بشرية ولوجيستية ضخمة، حيث قامت بتعبئة 44 ألف عون أمن لتأمين العملية الانتخابية وسد كل الثغرات أمام أي استهداف لانتقاد الحكومة.

وكانت الانتخابات قد انطلقت في المهجر خلال نهاية الأسبوع الماضي، حيث فتحت أبواب القنصليات والسفارات أمام أفراد الجالية لاختيار ممثليهم في البرلمان، كما انطلقت الاثنين عملية تصويت فئة البدو الرحل في المناطق والمحافظات المعزولة.

وتضاربت القراءات بشأن الانطباعات الأولية عن المشاركة الأولى في عملية الاقتراع، ففيما تروّج الدعاية الرسمية لما أسمته بـ“المشاركة المقبولة” نقل شهود عيان “مشاركة ضعيفة تقتصر على بعض المسنين في مقابل عزوف لافت لفئة الشباب في دول المهجر”.

وتخيّم أجواء ضبابية على الاستحقاق الانتخابي المقرر الخميس بسبب توسع دائرة المقاطعين وفشل حملات الترويج والتعبئة في إقناع الشارع بالمشاركة القوية في الاقتراع.

وكانت الحكومة قد رصدت إمكانيات مالية ومادية ضخمة من أجل تبليغ رسالة المشاركة، إلا أنها ظلت في كل مرة تصطدم بأخطاء فادحة سرعان ما أدت مفعولا عكسيا، لا سيما أمام تأثير الإعلام البديل في توجيه الرأي العام.

ويقول الناشط والإعلامي سعد بوعقبة إن “تعاسة السلطة تكمن في خطاب أذرعها السياسية المنفر للمواطن والمستفز لمشاعر الجزائريين”، في إشارة إلى بعض الزلات التي وردت على لسان رئيس الوزراء عبدالمالك سلال ورئيس حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم جمال ولد عباس.

وفي تصريح مقتضب لمسؤول في قنصلية الجزائر بمدينة نانتير الفرنسية جاء فيه “للأسف الإقبال ضعيف على مكاتب الاقتراع ومن حضروا هم من فئة المسنين المرتبطين بالتاريخ.. هناك عزوف واضح للشباب، لكن حملتنا ستستمر وسندق على أبواب بيوت الجالية لحضّها على الانتخاب”.

واستطاع المدونون والناشطون أن يكتسحوا شبكات التواصل الاجتماعي من أجل الحث على المقاطعة خاصة التسجيلين الأخيرين لـ“جوكر دي زاد” و“أنس تينا” اللذين استقطبا في الأيام الأربعة الأخيرة نحو ستة ملايين مشاهدة معا.

ودفع التسجيلان أربعة وزراء من الحكومة إلى الرد بقوة على من أسموهم بـ”المشوشين” على الانتخابات، وهددوا بعقوبات قانونية تنطبق على هؤلاء استنادا إلى النصوص التي تتحدث عن السجن وغرامات مالية لمن يسيئون للانتخابات والمنتخبين والمرشحين والتشويش عليهم.

الغموض يخيم على نتائج الانتخابات لكن المؤشرات توحي بتربع أحزاب السلطة على البرلمان القادم مع عودة منتظرة للإسلاميين

وصرّح وزير الشؤون الداخلية والجماعات المحلية نورالدين بدوي للإذاعة الحكومية بأنه “لا يتخوف على الاقتراع من العزوف الشعبي بقدر خشيته على البلاد بأكملها”.

وقال عشية فتح مكاتب التصويت “الإدارة قامت بواجبها كاملا من خلال توفير قاعات للتجمعات الانتخابية ولا يوجد حزب أو مترشح اشتكى من غياب الإمكانيات، كما قمنا بحملة تحسيسية حول أهمية الانتخاب منذ البداية”.

وكان رئيس اللجنة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات عبدالوهاب دربال قد اعترف في تصريح لوسائل إعلام محلية بـ“العزوف واللامبالاة الواضحة للمواطنين بما يجري في الحملة الدعائية، حيث وجد قادة الأحزاب السياسية والعديد من المترشحين المستقلين أنفسهم أمام قاعات شاغرة”.

وأضاف “هناك من عجز حتى عن وضع ملصقاته الدعائية في الأماكن المخصصة من طرف الإدارة، وهناك أيضا من لم يستطع حتى تسجيل الحصص الدعائية في وسائل الإعلام الحكومية لتقديم وشرح برامجه السياسية والانتخابية”.

وفي ظل غياب مؤسسات سبر الآراء لاستطلاع توجهات الناخبين يخيم الغموض على نتائج انتخابات الخميس ولو أن المؤشرات السياسية توحي بتربع أحزاب السلطة على البرلمان القادم مع عودة منتظرة للإسلاميين.

وكان ولد عباس قد وعد بـ“بقاء حزبه في صدارة القوى السياسية والحفاظ على الأغلبية”، فيما توقع عضو تحالف “حمس التغيير” عبدالمجيد مناصرة حصول التحالف على “40 بالمئة من المقاعد النيابية إذا كانت الانتخابات نزيهة وشفافة”.

ويتنافس قرابة 12 ألف مرشح يمثلون 35 حزبا سياسيا و97 قائمة مستقلة على 462 مقعدا في الغرفة الأولى للبرلمان، وكان آخر اقتراع نيابي جرى العام 2012 سجل نسبة مشاركة هي الأدنى في حدود 43 بالمئة، لكن قانون الانتخابات الجزائري لا يحدد نسبة معينة لاعتماد النتائج.

ولفّت الشكوك وتهم التزوير والتلاعب بالنتائج بمختلف الاستحقاقات البرلمانية السابقة، وحتى نسب المشاركة كانت تضخّم برأي المعارضة السياسية من طرف الإدارة وتحت إشراف جهاز الاستخبارات المنحل الذي يغيب لأول مرة عن الانتخابات الجزائرية.

وتوقع القيادي في الحراك المقاطع للانتخابات محاد قاسمي في تصريح لـ“العرب” بألا “تتجاوز نسبة المشاركة حدود 25 بالمئة انطلاقا من الأصداء التي عاينها برفقة زملائه المقاطعين أثناء حملتهم الميدانية الداعية بدورها إلى المقاطعة”. وألمح إلى أن هناك من يشارك في الانتخابات ويتمنى توسع رقعة المقاطعة بسبب مؤشرات التزوير والتلاعب المتوقع للاقتراع.

وحول مصير الحراك المقاطع بعد الانتخابات، لا سيما وأنه مهما كانت النسبة فإن النتائج المسجلة ستعتمد وفق ما يمليه دستور البلاد، أكد قاسمي أن “الحراك سيستمر بعد الانتخابات وسيشهد توسعا أكثر ليشمل نقابات وجمعيات لتكثيف الضغط على النظام لتحقيق التغيير”.

وشدد القيادي في الحراك المقاطع للانتخابات على أن حراكهم سيبقى “حراكا مدنيا وسلميا مستقلا يحترم قانون الجمهورية ودستور البلاد، وأن النواة الأولية ستلتقي بعد الانتخابات لتحدد مستقبل وأجندة العمل، وتوسيع قاعدة الشركاء”.

4