الجزائر: ثورة حقيقية

ثورة الجزائر تؤكد أن الشعوب تجاوزت كل حواجز التخويف التي تقيمها القوى المسيطرة والمضادة لحراكها.
السبت 2019/03/16
الشعب يريد إسقاط النظام

ترفض بعض النخب وبعض الناشطين الجزائريين إطلاق اسم “ثورة” أو حتى “انتفاضة” على المظاهرات المليونية التي شهدتها مدن الجزائر في الأسابيع الثلاثة الماضية.

هذا الرفض مَردّه، عند البعض، الخوف من تكرار تجربة سوريا أو ليبيا مثلا في الجزائر، وما شهدته الجزائر نفسها طوال تسعينات القرن الماضي في ما أطلق عليه العشرية السوداء أو العشرية الدموية التي راح ضحيتها أكثر من مئتي ألف جزائري نتيجة الصراع الدموي على السلطة بين الإسلاميين والعسكر.

لكن رفض بعض الجزائريين هاتين التسميتين للحراك الشعبي الشامل في مواجهة النظام، نظام العصابة كما يتردد في المظاهرات وعلى ألسنة الناشطين والمعارضين، لا ينفي عنه هذه الصفة، ولا ينفي عنه كونه ذا علاقة وثيقة بالانتفاضات والثورات الشعبية العربية التي انطلقت من تونس في 17 ديسمبر من العام 2010.

وما يقرر ذلك ليس بعض الناشطين أو الإعلاميين الذين أخافهم كلام أحمد أويحيى، رئيس الوزراء السابق، قبل أسبوعين “إنها بدأت في سوريا أيضا بالورود” أو كلام أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع الجزائري ورئيس أركان الجيش، الذي ذكر الجزائريين بالعشرية السوداء، بل يقرره المشترك في الظروف التي أدت إليه وفي الشكل الذي انفجرت فيه الأحداث. وهنا لا علاقة للمآلات ولا لطريقة رد فعل الأنظمة ولا للتدخلات الخارجية وشكلها بموضوع التسمية.

وفي تنصلهم من هذه المشتركات وهذه العلاقة مع ثورات الربيع العربي يدّعي بعض الناشطين الجزائريين أن الشعب الجزائري شعب واع ومثقف وهو لن يخرب بلاده كما فعل السوريون والليبيون. فبغض النظر عن الإساءة للشعبين السوري والليبي في هذا الكلام، فإن هؤلاء ينكرون المصرح عنه في كلام أويحيى ويؤكدون المضمر فيه، وبالتالي ينكرون حقيقة الظروف التي ينطلقون منها في مواجهة “نظام العصابة” كما يزعمون والتي هي الظروف التي دفعت السوريين والليبيين وسواهم إلى الثورة، وأن تلك الثورات كانت سلمية وكما قال أويحيى “بدأت بالورود”، وأن العنف والمجازر والدمار بدأتها وتابعتها وتستمر فيها الأنظمة، أنظمة العصابات المسيطرة وحين توشك على السقوط ينجدها حلفاؤها من الأنظمة الإقليمية والدولية الشبيهة التي ترفض أي تغيير قد يهدد مصالحها في أي بلد من البلدان، وبالأخص في البلاد العربية، وقد يهددها هي نفسها لاحقا.

تحضرني هنا مهاترات مفكري الممانعة، أصحاب نظرية المؤامرة الذين لا يزالون يصرون على أن ما جرى ولا يزال يجري على مدى الساحات العربية، منذ انطلاق مظاهرات درعا في سوريا، ليس إلا مؤامرة أميركية غربية وعربية تستهدف إسقاط نظام بشار الأسد الممانع ومحور المقاومة بزعامة طهران، وإشاعة الفوضى الخلاقة في البلاد العربية من أجل السيطرة عليها.

وأنه لم يكن من شيء في سوريا يدعو إلى الثورة على نظام الأسد، متجاهلين عمدا أن السوريين الذين تظاهروا في الأسابيع الأولى لثورتهم لم يكن هدفهم أكثر من محاسبة قتلة أطفال درعا الذين أهانوا كبارها، وتغيير محافظ حمص، وأنهم لم يكونوا حتى بوارد إسقاط بشار الأسد، بل مطالبته بتعديلات طفيفة على نظامه المخابراتي ترفع يد الأجهزة عن رقاب الناس. ومتجاهلين أيضا كيف رد نظام الأسد على المتظاهرين سلميا و”بالورود” وبالمجازر والاعتقال والقتل تحت التعذيب، وصولا إلى القصف بالدبابات والطائرات والبراميل المتفجرة.

لا نريد للشعب الجزائري سوى السلام والأمن والأمان والمزيد من التقدم، ونقف أمام مظاهراته الحضارية السلمية بكل احترام. ونعتبر نجاحه في فرض إرادته على “نظام العصابة” نجاحا لكل الشعوب، ونحيي تبادل التحايا الذي برز جليا بين الشعب الجزائري والشعب السوداني وبينه وبين الشعبين السوري والفلسطيني، ما يؤكد على تلاحم مصير شعوبنا في مختلف الأقطار، هذا التلاحم الذي بات ضروريا من أجل السير قدما على طريق التحرر من الاستبداد والاحتلال والتخلف والتبعية.

ثورة الجزائر تؤكد أن الشعوب تجاوزت كل حواجز التخويف التي تقيمها القوى المسيطرة والمضادة لحراكها. فلا التخويف بمآلات الثورة السورية منع السودانيين من الإصرار على التغيير، ولا التخويف من العشرية السوداء منع الجزائريين من رفض المهانة في ترشيح عبدالعزيز بوتفليقة لعهدة خامسة بداية، ومن بعدها رفض ما نسب إليه من قرارات تحاول الالتفاف على مطالب ثورته وتمهد الطريق لإعادة إنتاج “نظام العصابة” من خلال التمديد للرئيس المريض لمهلة غير محددة وتشكيل حكومة من شخوص النظام المتهمين بتزوير الانتخابات.

8