الجزائر: "حركة الأمازيغ من أجل الحكم الذاتي" نتاج لغياب الديمقراطية

الخميس 2016/11/17

في الأسبوع الماضي ورد خبر شبه مقتضب في صحيفة جزائرية خاصة ومر مرور الكرام رغم أهميته ويقول “أجهض سكان قرية سيدي منصور في بلدية تيميزار شمال شرقي ولاية تيزي وزو، الجمعة، تجمعا لما يسمى حركة الأمازيغ من أجل الحكم الذاتي في الجزائر، “حركة الماك”، الانفصالية وطردوا مناضليها بعد مواجهات خلفت جرح 4 عناصر من أنصار المغني فرحات مهني، بعد ما بادرت لجنة القرية إلى طرد هؤلاء، والتف السكان حولها لتنفيذ ذلك. وتم ظهيرة الجمعة نقل 4 عناصر من “حركة الماك”، من بينهم مسؤولها الأول إلى المستشفى بعد مواجهات جمعتهم مع سكان قرية سيدي منصور التي تضم إحدى أكبر الزوايا بمنطقة القبائل، حيث تدخلت لجنة القرية بمعية السكان لإجهاض التجمع الذي كان مزمعا تنشيطه”.

يعني هذا الخبر أن منطقة الأمازيغ تصارع نفسها، وأنها منقسمة وأن مجرد كمشة من الناس تطالب بالانفصال عن الدولة الجزائرية المركزية، علما أن هذه الحركة تدعو فقط إلى الاستقلال الذاتي، وشتان ما بين الانفصال الذي يعني تأسيس دولة أخرى موازية، وبين المطالبة بالحكم الذاتي الذي لا يتجاوز تسيير الشؤون الإدارية لهذه المنطقة ضمن الدولة الجزائرية وبعيدا عن البيروقراطية التي تهتك بالمجتمع الجزائري على مدى سنوات طويلة وإلى يومنا هذا.

لا شك أن تضخيم هذه الحركة من طرف النظام الجزائري والوسائل الإعلامية التي تسبّح بحمده مقصود لإشغال الرأي العام الجزائري عن القضايا الحقيقية التي تعصف بالجزائر، وفي مقدمتها الفراغ السياسي الهائل الذي شل البلاد، وقتل الحياة الاجتماعية جراء غلاء المعيشة وتدهور قيمة الدخل الفردي للمواطن الجزائري، وتفشي الفساد المالي في دهاليز النظام.

لماذا يصور النظام في الجزائر حركة “الماك”، كبعبع يهدَد الوحدة الوطنية، علما أن حقائق الواقع تناقض مثل هذه المزاعم؟ ولماذا يشنَع أيضا بالمغني الأمازيغي فرحات مهنَي، الذي أسس هذه الحركة مع الباحث في اللغة البربرية سالم شاكر وعدد من الأفراد داخل الوطن وفي المهاجر الأوروبية وخاصة فرنسا، ولماذا يعتبرونه الجزائري الوحيد الذي زار إسرائيل في الوقت الذي نعرف أن النظام الجزائري عيَن خالدة تومي على رأس وزارة الثقافة لمدة 12 سنة، علما أنها قد صالت وجالت في أزقة تل أبيب قبل تعيينها في هذا المنصب الحساس، كما أن النظام الجزائري نفسه قد شارك بوفود رسمية في اجتماعات دولية كان للدولة العبرية فيها حضور كبير رسميا؟ وهل صحيح أن حركة “الماك” انفصالية، وإذا كانت كذلك فلماذا لم تسجل السلطات ضدها رفع السلاح، أو ممارسة العنف المباشر ضد مئات الآلاف من المواطنين المصنفين بالعرب والذين يعملون ويقيمون في المنطقة الأمازيغية ويتزوجون الأمازيغيات؟

وفي الحقيقة فإن ولادة ظاهرة “الماك” في العام 2002 تعود في الظاهر إلى قتل الدرك لطالب أمازيغي دون حق، ولكنها في الجوهر تعود إلى عدة عوامل أساسية متشابكة منها: إجهاض الانتخابات الديمقراطية في البلاد واستبدال الحلم الكبير، في إنشاء دولة العدالة والمساواة والتعددية السياسية، بكابوس الحكم العسكري والأمني ثم الفردي والعائلي، وإلى الفشل في احترام الدستور الذي يخرق دائما و“يخيط” على مقاس رئيس الدولة خاصة في عهد عبدالعزيز بوتفليقة.

لا شك أن هناك عوامل أخرى لا تقل أهمية مثل تدجين بقية تيارات المعارضة وتحويلها إلى مجرد فلكلوريات مضحكة، وكذا ابتلاع النظام الحاكم في الجزائر لأحزاب المعارضة الأمازيغية وخاصة حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المدعو “الأرسيدي”، وحزب جبهة القوى الاشتراكية المدعو “الإفيفيس” بطرق مكيافيلية وبتوظيف الدهاء السياسي، وفي المقدمة تفريغ هذين الحزبين من إطاراتهما بواسطة شراء ذمم قيادتهما بالمناصب الحكومية والبرلمانية، وكذا بمنصب السيناتور وذلك باسم لعبة إشراكهم في الحكم صوريا، فضلا عن إطلاق أيدي الكثير منهم لجمع المليارات من الدينارات بطرق غير شرعية ومن دون أي حساب أو رادع.

هناك دوافع أخرى ساهمت في خلق ردود أفعال قوية في هذه المنطقة وأدت إلى بروز حركة “الماك” نذكر منها القضاء على حركة العروش في المنطقة الأمازيغية التي كانت تقلق النظام في مرحلة معينة، رغم كونها مجرد تنظيم تقليدي عشش بداخله عدد من الانتهازيين الذين لعبوا في ما بعد دورا في تفكيكها بعد حصولهم على حصصهم في العقارات والأموال، وتحطيم الأحزاب الأمازيغية وتفريغها من محتواها، والتي حُولت إلى أبواق للسلطة الحاكمة وصارت تكتفي بإصدار البيانات.

يمكن إضافة عامل آخر لا يقل أهمية كان وراء ظهور الحركة المطالبة بالحكم الذاتي وهو الاعتراف باللغة البربرية كلغة وطنية قبل الاتفاق على الحروف التي تكتب بها، وإعداد الإطارات القادرة على تعليمها، وإخراجها من الطور الشفوي البدائي إلى طور متطور يضمن الشروع وفق خطة محكمة لتحويلها إلى لغة عصرية مؤسسة على المفاهيم المعرفية والفكرية والعلمية والتكنولوجية، وزيادة على ذلك فإن هذا الاعتراف الشكلي لم يمهد له بإعداد المحيط اللغوي وتسخير الأموال الكافية لتمويل البحث اللغوي لترقية هذه اللغة وتوحيد لهجاتها المتناثرة، وطبع ونشر الإنتاج الثقافي والفني والإبداعي الأمازيغي وتعميمه وطنيا، وكذا إعطاء مكانة لائقة له في البرامج التعليمية، والتعريف به في الداخل والخارج. والأدهى والأمر هو أن النظام الجزائري لم يقبل إلى يومنا هذا بتأسيس حتى كتابة دولة تعنى بالثقافة الأمازيغية وآدابها وأشكال تعبيراتها المختلفة.

كاتب جزائري

9