الجزائر: سياسات التأسيس المنهجي لمجتمع الجريمة

الخميس 2014/10/16

في ظل الغياب المستمر لرئيس الدولة عبدالعزيز بوتفليقة عن المشهد السياسي الجزائري، وانعدام حكومة تمثيلية نابعة ومنتخبة بنزاهة وشفافية من طرف القاعدة الشعبية، ونظرا لفقدان الأجهزة الإدارية للفاعلية في التحكم بزمام الأمور وفي تسيير شؤون المواطنين والمواطنات بسلاسة وكفاءة، فضلا عن تململ المعارضة التي لا تملك مصداقية وتصورا سياسيا وإجرائيا واضحا ومقنعا ومؤسسا على القراءة الصحيحة للمجتمع الجزائري، التي يمكن أن تؤدي إلى إحداث التغيير الإيجابي في الوضع العام أولا، وفي سلوك قطاع الرئاسة والحكومة ثانيا، وفي آليات تسيير البلاد ثالثا، فإن المراقب السياسي يلاحظ فوران ما يشبه البركان الذي يتآكل من الداخل، يوميا، في انتظار لحظة الانفجار في عمق المجتمع الجزائري.

في هذا السياق بالذات، فإن هناك عدة أعراض تترجم ما يحدث من كوارث في صميم الحياة الاجتماعية، والسياسية، والأمنية بكل ما تحمله هذه الكلمات من دلالات وأبعاد.

لابد من الاشارة هنا إلى أن هذه الأعراض تدل دلالة قاطعة على وجود مشكلات حقيقية ومزمنة ومكدسة لم تجد العلاج إلى يومنا هذا، ولا يبدو في الأفق وجود أي برنامج محكم وواقعي لإيجاد الحلول لها قبل أن تتعفن وتتحول إلى كارثة. والحال فإن متابعة ما تنشره بعض وسائل الإعلام التابعة للقطاع الخاص، والتي يصفها النظام الحاكم بأنها مارقة، تفضي بنا بطبيعة الحال إلى استنتاجات تنذر بالأخطار والانفجارات. ولكي ندرك ما يحصل في المدن الكبرى وفي الجزائر العميقة من تصدعات، فإنه ينبغي أن نقوم بمسح يومي لمئات الأحداث التي تخلخل نسيج الدولة والمجتمع في آن واحد.

ففي هذا الأسبوع، فقط، قدمت الصحف الجزائرية معلومات ملفتة للنظر تصف فيها ازدياد وتيرة تدهور الأمن عبر البلاد، ومن الأمثلة على ذلك الوضع السيء في مدينة غرداية التي شهدت، ولا تزال تشهد، الفوضى التي توصف بالعارمة. لقد تحدثت هذه الصحف أيضا بالاعتماد على الوقائع الملموسة على أن ما لا يقل عن 700 جريمة تقع يوميا عبر القطر الجزائري، أي ما يعادل 207 ألف جريمة في تسعة أشهر، وهذا ما أكدته الإحصائيات التي كشفت عنها مصالح الأمن الوطني، والتي نقلتها بعض الأجهزة الإعلامية الجزائرية التابعة للقطاع الخاص وغضت الطرف عنها وسائل الإعلام التابعة للنظام الحاكم، وتلك المرتبطة بالأجهزة الأمنية تمويلا وولاء سياسيا.

وبهذا الخصوص نجد الجهات الحكومية تحاول كعادتها أن تبرر مثل الظواهر الخطيرة جدا بالقول، إن الشبان الجانحين بحاجة إلى التوعية وإلى التوجيه النفسي، في حين أن القضية في حقيقتها هي أكبر من ذلك، وأن أسبابها الجوهرية، تتعلق بالدرجة الأولى، بتفاقم مشاكل البطالة بما في ذلك البطالة المقنّعة بأقنعة كثيرة، علما وأن ظاهرة البطالة هي عرض ونتيجة لندرة وغلاء إيجار أو شراء السكن، فضلا عن تقهقر مستوى الدخل الفردي الذي لا يتناسب إطلاقا مع مطالب الحياة اليومية في آن معا.

إن هذه المسألة في حاجة إلى التدقيق والتوضيح، حيث نجد أن آلاف خريجي الجامعات والمعاهد، بما في ذلك حملة الشهادات العليا، في شتى التخصصات هم دون عمل ما عدا الانخراط في بيع الأقمشة في الطرقات، والعمل في مقاهي الإنترنت بأجور هزيلة لا تكفي حتى لضمان لقمة العيش يوميا. والأخطر من ذلك هو أن المكاتب الوطنية التي أنشأها النظام الجزائري على المستوى المركزي وفي المحافظات (الولايات) لتشغيل الشباب والشابات لم تقدر على استيعاب الأعداد الهائلة من جهة، ومن جهة أخرى، فإن المبالغ المالية التي تقدم لهم في شكل قروض قد أصبحت تثقل كاهلهم، وتوظف في نشاطات استهلاكية بحتة وهي نشاطات غير منتجة ولا علاقة لها بالتخصصات الدراسية التي يتمتع بها هؤلاء الشبان الذين وجدوا أنفسهم، دون وعي، في وضع منحرف يقضي رويدا رويدا على مستقبلهم المهني أو العلمي.

والأدهى والأمر هو أن نظام “لونسانج”، أي مكاتب تشغيل الشباب قد حوّل حملة الشهادات الجامعية، في رمشة عين، إلى بقالين وسماسرة ووسطاء تجاريين، وبذلك تم كسر طموحهم العلمي والمهني المتخصص. لا توجد، حتى الآن، سياسة وطنية تبحث أو تسعى إلى استيعاب الآلاف من خريجي المعاهد الثانوية والعليا والجامعات، وفقا للتخصصات بداخل شبكة الأطر الاقتصادية والاجتماعية والسياحية والتعليمية التي تضمن لهم عدم الانحراف المهني، وتحولُ دون تجريدهم من التحصيل العلمي الذي قضوا سنوات طويلة للحصول عليه وأصبح دون جدوى مع الأسف.

وفي الواقع فإن المشاهد الغريبة والمؤلمة التي تنقلها بعض الصحف غير الموالية للنظام الحاكم تثير الرعب، ويمكن تلخيصها في هذه العناوين المكتوبة بالحروف السوداء الغليظة التي نقرأها، هنا وهناك، في صحيفة الخبر أو في وصحيفة الشروق اليومي، واسعتي الانتشار، وأنقل عيّنات قليلة منها وهي كالتالي: “الرعب يعود إلى المدينة واحتجاجات الشرطة: فوضى عارمة في غرداية وقتيلان في موجة عنف”، “حرب العصابات تشتعل في قسنطينة: الأمن يرد على المولوتوف بالقنابل المسيلة للدموع″، “توقيفات وجرحى في مواجهات ببلدية هاشم في معسكر”، “احتجاجات في واد الماء بباتنة تخلف جرحى”، “السكان يستنجدون من معيشة البؤس في الحي الفوضوي بالمنطقة الصناعية بالشراقة بالعاصمة”، “الماء غائب عن فرقة أولاد جلال منذ 7 أشهر بإحدى بلديات محافظة المدية، “السلطة تريد تركيع المعارضة”، “المواطنون يطالبون بوقف كارثة إيكولوجية بمحافظة تيبازة”، “151 مسكن تسكنها الأشباح بتيبازة والوزراء عاجزون”، “احتجاجات عارمة وقطع للطرقات بخميس مليانة”، “سكان قرية ثاحشاط يغلقون مقر بلدية مديرة”.

هذه العيّنات التي تقدم صورة عن الكوارث وغيرها من الجرائم التي ترتكب بالمئات يوميا، فضلا عن الانحرافات الأخلاقية، والسرقة المنتشرة في كل مكان، ليست سوى مجرد عيّنات قليلة من الفيض الذي لا يعد ولا يحصى في جزائر النظام الجزائري، وهي في مجملها تعكس وضعا مؤلما كرّسه، ولا يزال يكرسه، هذا النظام الحاكم وتثبت حقيقة فشله في إدارة الدولة ومؤسساتها، وفي نزع الفتيل عن الأزمات المركّبة التي ما فتئت تعصف بكيان المجتمع الجزائري وأمنه المدني والغذائي والثقافي والصحي، وبمستقبل شرائح الشبان الذين تشتعل رؤوسهم فقرا، وضياعا نفسيا.


كاتب جزائري

8