الجزائر: سياسات التنمية العرجاء

الخميس 2014/08/07

في بداية هذا الأسبوع اجتمعت الحكومة الجزائرية وأعلنت عن تخصيص 280 مليار دولار لتمويل المخطط الخماسي على مدى السنوات الخمس القادمة، وذلك لتسريع وتيرة التنمية والتغلب على الظروف الاجتماعية الصعبة التي يعاني منها المواطن الجزائري. وفي الوقت نفسه أمرت حكومة عبدالمالك سلال كلاَ من وزارة الداخلية ووزارة العدل بالاستعداد لمحاربة الفساد الإداري والمالي، الأمر الذي يعني ضمنيا اعتراف النظام الحاكم أن في المؤسسات الجزائرية جماعات تتحرك في الخفاء وتنهب الأموال.

من المعلوم أن القاصي والداني يعرف أن هذه الشلل، التي تشبه الأشباح، لم تأت من كوكب المريخ، وإنما توجد بالفعل في المناصب السياسية والتنفيذية المركزية الحساسة وداخل أروقة النظام الحاكم نفسه، ولها امتدادات وحلفاء في القطاع الخاص، وفي المؤسسات التابعة للدولة مباشرة.

وفي هذا الأسبوع بالذات يكون قد مضى عام كامل على عدة فضائح مالية هزت الجزائر، وفي صدارتها فضيحة مجمع “سوناطراك” النفطي التي تورط فيها عدد من كبار المسؤولين في جهاز الدولة دون أن يمتثل أحد منهم حتى يومنا هذا أمام العدالة، بل إن الوزير شكيب خليل وزير النفط السابق، والمتهم باختلاس مبالغ خيالية لا يزال طليقا. وفي خصوص المبلغ المذكور أعلاه والمرصود لتغطية نفقات المخطط المدعو بالخماسي، فإننا إذا اجرينا عملية حسابية بسيطة، فإن هذا الغلاف المالي الذي نتحدث عنه يقدر بمبلغ 56 مليار دولار لكل سنة وهو لا يعادل حتى ربع عائدات البترول والغاز لكل عام، فضلا عن صادرات أخرى كثيرة تدر أموالا طائلة.

في ظل انعدام المحاسبة الشفافة فإنه لا أحد يعرف، بوضوح، حجم مبالغ الصادرات الوطنية إلى الخارج، وأين هو مبلغ 200 مليار دولار الذي أعلن النظام الجزائري، مرارا، أنه موجود في صناديق الاحتياط. ومما يؤسف له أن الأحزاب الجزائرية لا تزال تتنزه من بعيد، ولم تفعل شيئا يذكر لتصحيح الوضع وتفعيل آليات المحاسبة سواء على مستوى البرلمان، أو مجلس الأمة، أو مجلس المحاسبة الذي يعيشُ حالة شلل وإعاقة منذ زمن طويل.

وهكذا أصبحت الجزائر بدون حركة سياسية جدية وفاعلة ومنتصرة لمصالح الشعب الجزائري، وبذلك فقد صار ما يسمى بالتعددية الحزبية الهلامية مجرد واجهة وغطاء للنظام الحاكم. وفي الواقع فإن الأحزاب الجزائرية لا مشروع لها ما عدا الظهور الموسمي في مناسبات الانتخابات الشكلية التي لم تؤد إلى يومنا هذا إلى بناء وإرساء أبجديات الديمقراطية.

وفضلا عن هذا فإن النظام السياسي الجزائري لم يحقق أي تنمية حقيقية وحديثة في المجتمع المشدود باستمرار إلى التخلف في ميادين الثقافة، والتعليم والإعلام والمعمار والإنتاج الزراعي والفلاحي والصناعي وهلم جرا. إن الدليل على هذا هو أن من ينزل إلى الواقع في المدن الكبيرة والصغيرة وإلى الأرياف، سيصاب بالخيبة حيث سيصدم فورا بمظاهر التدهور العام القائم في كل مكان، رغم الخطب الرنانة التي يرفع عقيرتها النظام الحاكم والإعلام الموالي له.

في هذا المناخ اليائس نجد الرأسمالية الاستغلالية في شكلها ومضمونها البدائيين طاغية تسحق الشرائح العمالية والفلاحية وكذلك الشريحة الوسطى، والأدهى والأمر أن القيم الوطنية الأصيلة مافتئت تتعرض للتحطيم والدفن المنهجي. أمام هذا الواقع المؤلم فإننا لا نجد أي تحرك يذكر من طرف الأحزاب وما يسمى بتنظيمات المجتمع المدني من أجل تصحيح الأوضاع، وممارسة النقد البناء الشجاع لسلبيات الوضع السلبي السائد. فالنظام الحاكم يقدّم الوعود دائما ولكنه على المستوى العملي لم يحلّ المشكلات الكبرى التي تعترض سبل المواطنين وتحرمهم من إحراز التقدم وفك الارتباط مع التخلف البنيوي.

إن ما يسمى في القاموس السياسي الجزائري التقليدي بـ”القوى الوطنية” لم تعد تمارس دورها بل أصبحت تدفن رأسها في الرمال، ولا تقف مع الشعب المغلوب على أمره. وما يؤسف له أن شبح البطالة لا يزال يلقي بمخاوفه على المدن الكبرى وفي الأرياف معا، علما أن برنامج تشغيل الشباب الذي يدخل في إطار مشاريع الرئيس الكبرى لم يوقف بشكل جدي حتى الآن نزيف تدهور الأوضاع الاقتصادية، وفضلا عن ذلك فإن المبالغ التي اقترضوها من الدولة لم توظف في مشاريع تنموية جدية ولها مردودية لصالح الاقتصاد الوطني، بل وجهت إلى نشاطات استهلاكية قائمة أصلا على استيراد البضائع الرثة من البلدان الأجنبية وخاصة تركيا والصين.

إن سياسات تقديم القروض للشبان دون تأهيلهم وتكوينهم مهنيا أولا، ودون ربط هذه القروض بمشاريع تنموية في مجالات التربية والتعليم والفلاحة والزراعة والصناعات الخفيفة بمختلف أنواعها ثانيا، قد لعبت دورا سلبيا ومن نتائجها المباشرة تعطيل الانطلاق في عملية إنشاء جيل مبدع يساهم، فعليا، في إعطاء نفس حيوي للحياة الاجتماعية بركائزها الذاتية الخلاقة. إن هذه السياسات الخاطئة قد أدت بالدولة إلى تكبيل الشبان بالديون الثقيلة وجراء ذلك أصبحوا أسرى، ولقد نتج عن كل ذلك تلقيح الشبان بوعي زائف وبثقافة غريبة عن تقاليد المجتمع الجزائري ألا وهي ثقافة الانغماس في الرأسمالية المتوحشة وتحويلها إلى طقوس مدمرة للمجتمع. إلى جانب ما تقدم فإن المراقب لبانوراما الأوضاع الاجتماعية الجزائرية يصطدم بغلاء أسعار المعيشة وعدم تناسبها مع الدخل الفردي الضعيف، وبارتفاع الإيجار المستغل والفاحش وغير المقنّن والذي لا يخضع لرقابة الدولة أو لتنظيمات المجتمع المدني إطلاقا.

إن صور سياسات التنمية السلبية التي يعاني منها المجتمع الجزائري نراها أيضا في الواقع المزري الذي يوجد عليه التعليم. من الملاحظ أن مستوى المنظومة التعليمية الجزائرية، سواء على صعيد التعليم الابتدائي أو التكميلي أو الثانوي أو الجامعي، في حالة تدهور مستمر إلى درجة مخيفة جدا، وبهذا الخصوص لا يوجد أي مخطط عملي وواقعي مؤسس على المنهج العلمي لمعالجة مشاكل هذه المنظومة التي تعتبر عصب أي تطوير أو تحديث المجتمع، وبالفعل فإن هذا الوضع خطير وينذر بتفريخ أجيال جاهلة معرفيا وعلميا ومهنيا وحتى لغويا في المدى المنظور. ومن هنا يستنتج المرء أن مرحلة طويلة من عمر المجتمع الجزائري التي تقدر بثلاثة عقود ونيف من الزمن، لم ينجز النظام الجزائري خلالها تحولا حقيقيا وملموسا في مجال بناء طور مجتمع الإنتاج الفكري والمهني والزراعي والصناعي والثقافي والفني المتطور المعتمد على النفس، والمؤسس في آن واحد على ركائز الثقافة الحديثة، والفكر العلمي العملي والنظري المتقدم.

إن التنمية في الجزائر وفي جميع الميادين تتميز بأنها عرجاء وغارقة في سياسات الترقيع والتحايل المتناقضة مع التخطيط العلمي والاستراتيجيات المحكمة. في ظل سياسات الترقيع هذه، وانتشار الفساد الإداري والمالي بدءا من الهرم الأعلى للدولة إلى أخمص أقدام المؤسسات المختلفة للدولة والقطاع الخاص في المحافظات والبلديات، في المدن والأرياف، فإن الأوضاع الاجتماعية ستتعقد، وستخلق مجتمعا يتآكل ماديا وأخلاقيا من الداخل، رويدا رويدا، إذا لم يحصل التغيير الجوهري في سلوك النظام الحاكم، ولدى ما يسمى بالمعارضة التي عجزت، حتى الآن، عن قيادة المجتمع وتوعية المواطنين والمواطنات بالمخاطر المحدقة.


كاتب جزائري

8