الجزائر: صنّارة الندوة الجامعة والشاملة

المهندسون الفاعلون في أجهزة النظام الحاكم سيلجأون إلى استنساخ شكل آخر من الهيمنة بواسطة تطبيق أسلوب الاحتواء الشبيه بسيناريو التحالف الرئاسي الذي مكّن الرئيس بوتفليقة من السيطرة الكاملة.
الجمعة 2018/12/28
،حو استنساخ شكل آخر من الهيمنة

استقبل الرأي العام الوطني الجزائري مشروع النظام الجزائري المتمثل في الدعوة إلى عقد ندوة وطنية جامعة وشاملة تشارك فيها مختلف مكونات المشهد السياسي الجزائري، بالفتور والنفور معا. ويلخّص هذا الموقف الشعبي المدير العام السابق ليومية الخبر شريف رزقي الذي عبَّر في كلمته التي تناقلتها وسائط التواصل الاجتماعي قائلا إنهم يتحدثون عن “ندوة وطنية جامعة وشاملة، وإعطاء المعارضة دورا أهم.. عشرون سنة وهم يهمشون ويحطمون المعارضة وجمعيات المجتمع المدني ويحاربون الصحافة ويقمعون الحريات ويسجنون الذين يعبرون عن آرائهم بسلمية واليوم عندما حان وقت الخلاص تتحايلون على الشعب والدستور وتتذكرون أن هناك معارضة، تبَّا لكم ولهذه المعارضة المعتوهة التي تقبل بكل شيء بما فيه التمديد خارج الأطر القانونية لشخص مكانه، منذ سنوات، في بيته وبين ذويه”.

في هذا المناخ الشعبي المأزوم، لا أحد ينتظر تغييرا ملموسا وجديا في المشهد السياسي الجزائري حتى لو جُمعت أطياف المعارضة المشتّتة وأحزاب الموالاة المسلوبة الإرادة والمسؤولون في مختلف أجهزة النظام الحاكم، بما في ذلك البرلمان بغرفتيه والمجلس الدستوري وكذلك المجالس العليا والنقابات بكل أنماطها، في سفينة نوح. ويعود السبب في ذلك إلى تفاقم مشكلات البلاد في ظل الركود المزمن الذي أصاب جميع مفاصل المؤسسات الإدارية والاقتصادية والسياسية والثقافية، فضلا عن الدمار الذي لحق بالأخلاقيات على مستوى العلاقات الاجتماعية.

جراء هذا الوضع الرمادي، فإن الندوة الوطنية التي يروّج لها هذه الأيام، ويقال إنها ستنعقد قريبا، لن تنجح في إخراج الجزائر من الجمود السياسي لأنها ستكرر نفس النمطية الممجوجة التي يمكن اختزالها في عدد من المظاهر التي لم يعد أحد يصدقها أو يتفاعل معها إيجابيا، وهي تكريس نفس الشعارات الفضفاضة والوعود التي لا تتجسد في الواقع، ونفس الوجوه السياسية المكروهة والمتزمّتة والمفلسة التي ملّ منها الشعب الجزائري الذي ما فتئ يطالب منذ سنوات برحيلها وفسح المجال للكفاءات الوطنية النظيفة لتقود مسيرة إنقاذ الجزائر من الانحطاط الذي فرض عليها.

من المؤكد أن هذه الندوة التي تدعى في أدبيات النظام الحاكم وأتباعه بالجامعة والشاملة لن تنجز شيئا ما عدا جرّ بعض أحزاب المعارضة المعروفة بتأرجح مواقفها السلبية إلى صف أحزاب الموالاة والاتفاق في ما بينها، في إطار كرنفال التنازلات البراغماتية والأطماع الشخصية، إما على تأجيل الانتخابات الرئاسية وإما على التمديد للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لفترة رئاسية تضمن له ولجماعته مواصلة الهيمنة على ما تبقى من أشلاء الدولة الجزائرية التي لم تتأسس على الأساس الشعبي واللامركزية الديمقراطية منذ فجر الاستقلال في العام 1962. في هذا السياق يمكن للمحلل السياسي العارف بتركيبة النظام الجزائري وأسلوبه التقليدي والنمطي في التعامل مع المستجدات السياسية، وخاصة مع الأزمات التي يكتفي بتكديسها حينا حتى يعلوها الغبار وبتسييرها حينا آخر، رصد النتائج المنتظرة مسبقا من هذه الندوة المدعوة بالوطنية الجامعة والشاملة، حيث أنه يريد من ورائها أن يحدث الانفراج الشكلي والمؤقت في الوضع السياسي المريض من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يهدف إلى تعميق تقسيم وبعثرة ما تبقى من خيوط التواصل بين أحزاب المعارضة.

لا شك أن مشروع هذه الندوة الوطنية يهدف في الحقيقة ووفق مسعى مضمر إلى خرق الدستور مجددا بواسطة إضافة بعض البنود الجديدة إليه والتي بموجبها يتم منح الشرعية القانونية لتأجيل الانتخابات الرئاسية أو للتمديد للرئيس بوتفليقة.

ويرى الكثير من المحللين السياسيين في الجزائر أن هذه الطبخة التي يعدها النظام الجزائري ترمي دون أدنى ريب إلى ليّ أذرع  المعارضة التي يعرف نقاط ضعفها جيدا وخاصة انعدام الموقف المبدئي لديها وكذلك تكالبها على الحقائب الوزارية في الحكومة، وعلى المناصب الحساسة التي تضمن الدخل المالي المفرط والنفوذ الشخصي في مختلف أجهزة الدولة وفي المقدمة البرلمان، والسلك الدبلوماسي، والمجالس العليا والمؤسسات الكبرى التابعة للقطاع العام.

يعني هذا، حسب التوقعات، أن المهندسين الفاعلين الحقيقيين في أجهزة النظام الحاكم سيلجأون إلى استنساخ شكل آخر من الهيمنة بواسطة تطبيق أسلوب الاحتواء الشبيه بسيناريو التحالف الرئاسي الذي مكّن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في الماضي من السيطرة السياسية الكاملة ومن تهميش الأحزاب المشاركة في ذلك التحالف وتجريدها من مصداقيتها كقوى معارضة. وهكذا فإنه من المنتظر أن يرمي مهندسو قصر المرادية والأمن العسكري، خلال أعمال الندوة المذكورة، بصنّارتهم المدججة بطعم الإشراك النسبي لأحزاب المعارضة في الحكومة الانتقالية المؤقتة لتعلق به الأحزاب المعارضة ذات المواقف المتأرجحة خاصة وبذلك سيتمكن النظام الحاكم من تعديل الدستور وتمرير سيناريو التأجيل للانتخابات الرئاسية أو التمديد للرئيس بوتفليقة.

8