الجزائر.. عجز عن التفاعل مع الإخلالات الفرنسية

النظام الجزائري لم يقدر على محاورة فرنسا أو الضغط عليها للوفاء بالتزاماتها القانونية، ويعود السبب في ذلك إلى انعدام اهتمامه بمصالح الجزائر، وإلى اتباع سياسة النعامة في التعامل مع الإخلال الفرنسي بالاحترام المتبادل بين البلدين.
الخميس 2018/04/19
نظام لا يستطيع فعل أي شيء

في هذا الأسبوع كشف السفير الفرنسي بالجزائر عن جملة من الأسباب التي أدت ببلاده إلى معاملة المواطنين الجزائريين الزائرين لفرنسا بقسوة، حيث منعوا من دخول الأراضي الفرنسية على الرغم من أنهم كانوا يحملون التأشيرة الفرنسية الممنوحة لهم من طرف القنصلية الفرنسية بالجزائر بصفة رسمية.

والجدير بالذكر هنا هو أن السلطات الفرنسية في القنصليات وفي المطارات والموانئ قد قامت، مرارا وتكرارا، بإذلال الجزائريين الراغبين في زيارة فرنسا سواء بغرض السياحة أو التجارة أو العلاج أو الدراسة في المعاهد والجامعات الفرنسية.

ويذكر أنه من بين الجزائريين الذين عوملوا بطريقة غير لائقة مديرون مركزيون يعملون في الهرم الأعلى للدولة، ووزراء سابقون في الحكومة الجزائرية أمثال حميد قرين وعبدالسلام بوشوارب وعبدالمجيد تبون وخليدة تومي وغيرهم، لكن النظام الجزائري اكتفى بإرسال العتاب الشفوي الرومانسي إلى السفير الفرنسي بالجزائر.

في هذا السياق ذكر السفير الفرنسي، كسافيي دريانكور، مؤخرا أن عدد الجزائريين الحاملين للتأشيرة الفرنسية والذين رُفض دخولهم في هذا العام إلى الأراضي الفرنسية تجاوز 10 آلاف جزائري وجزائرية.

وهنا ينبغي طرح مجموعة من الأسئلة منها: لماذا تتنكر الدولة الفرنسية حتى لمضمون اتفاقيات إفيان التي تنص بوضوح على التزام الدولة الفرنسية (المستعمرة سابقا للجزائر) بمنح الجزائريين امتيازات خاصة سواء كانوا من المهاجرين العاملين والمقيمين على الأراضي الفرنسية، أو كانوا من السواح، أو من الطلاب أو الراغبين في الدراسة بفرنسا، أو كانوا من رجال الدولة الجزائرية؟

وفي هذا الخصوص نجد، على سبيل المثال، أن البنود الخاصة بالتعاون الثقافي والإعلامي والتعليمي الواردة في اتفاقيات إفيان والتي تم الاتفاق الرسمي عليها بين الدولة الفرنسية المستعمرة وبين ممثلي حركة التحرر الوطني الجزائري قبيل الاستقلال مباشرة، تلزم فرنسا ما بعد الاستعمارية باحترام حرية الحركة بين البلدين، وبمجموعة من الإجراءات والتدابير مثل التأكيد على أنه “لكل من البلدين حق إقامة منشآت تعليمية ومعاهدة جامعية في البلد الآخر وسيكون التعليم مطابقا لمناهج وجداول وأساليب التربية الخاصة بكل بلد، ويمنح شهاداته الخاصة به، وتكون لرعايا الدولتين حرية الالتحاق بهذه المدارس والمعاهد”.

كما “يسهل كل بلد لرعايا البلد الآخر الالتحاق بمنشآت التعليم وللبحث التابعة لها، وذلك بتنظيم التدريب وجميع الوسائل المناسبة كمنح للدراسة والأبحاث والإعارات التي تمنح لمستحقيها بواسطة سلطات بلدهم بعد أخذ رأي المسؤولين في كل من البلدين”، هذا و“يكفل كل من البلدين في أرضه، لأعضاء هيئة التعليم العام والخاص للبلد الآخر الحريات التي تقتضيها التقاليد الجامعية”، و“يسهل كل من البلدين في أرضه، دخول ونشر جميع وسائل التعبير عن الرأي الخاصة بالبلد الآخر”.

ومن الواضح أن النظام الجزائري لم يقدر حتى يومنا هذا على محاورة فرنسا أو الضغط عليها للوفاء بالتزاماتها القانونية الملزمة وبوعودها الرسمية، ويعود السبب في ذلك إلى انعدام اهتمامه بمصالح الجزائر والجزائريين من جهة، وإلى اتباع سياسات النعامة في التعامل مع مختلف مظاهر التطرف الفرنسي المخل بمعادلة الاحترام المتبادل بين البلدين، وفي المقدمة حقوق الجالية الجزائرية في فرنسا وكذا حرية تنقل الأشخاص في إطار المعاهدات المبرمة بين الجزائر وفرنسا.

لا شك أن هذا الوضع يعبّرُ عن عجز النظام الجزائري عن لجم سياسات السلطات الفرنسية المتطرفة والمذلة التي مارستها ولا تزال تمارسها تجاه الجالية الجزائرية المتواجدة على الأراضي الفرنسية، وتجاه المسافرين الجزائريين القاصدين ترابها والحاملين للتأشيرات الرسمية، حيث لم ينج من هذا العسف حتى بعض الوزراء وكبار المسؤولين في مختلف أجهزة الدولة الجزائرية كما ذكرنا آنفا.

وفي الواقع فقد تميز موقف النظام الجزائري من هذه المعاملة غير اللائقة على مدى سنوات طويلة بعدم القدرة على إقامة حوار مسؤول وشجاع مع الدولة الفرنسية وقياداتها المسؤولة على شؤون الهجرة والسياحة، للوصول معها إلى ضبط اتفاقيات رسمية تحفظ للجزائريين المقيمين بفرنسا أو الزائرين لها كرامتهم، وفي الوقت نفسه فإن السلطات الجزائرية لم تقم يوما بمعاملة الرعايا الفرنسيين بالمثل لكي تضع حدا لتجاوزات القنصلية الفرنسية بالجزائر وللسلطات الفرنسية المكلفة بالإشراف على رقابة المطارات والموانئ.

عمليا فإن النظام الجزائري لا يملك الإمكانيات والشجاعة الأدبية التي تسمح له عمليا بحماية مواطنيه من تعسف السلطات الفرنسية واعتداءاتها على حقوقهم، بما في ذلك إدارة الظهر للأعراف الدولية ذات الصلة بأخلاقيات الهجرة وبالقوانين التي تضبط حركة تنقل مواطني الدول في العالم.

إلى جانب ما تقدم فإن الوقائع تبرز أن عدم قيام النظام الجزائري بالاحتجاج الرسمي ضد المعاملات الفرنسية المذلة المتكررة المذكورة يعود إلى عدة عوامل متشابكة يتمثل بعضها في تبعية النظام الجزائري لفرنسا، وإلى كون السلطات الفرنسية تملك ملفات ساخنة ومثيرة عن عدد لا يحصى من المسؤولين الجزائريين الكبار بما في ذلك الوزراء، ومنهما على وجه الخصوص ملفات عن حساباتهم المالية السرية في البنوك الفرنسية فضلا عن ممتلكاتهم المختلفة التي لا يعلم بها الشعب الجزائري. وهكذا يمكن للحكومة الفرنسية أن تكشف عنها وتفجر الوضع السياسي بالجزائر لو حاول النظام الجزائري القيام بأي محاولة لمجابهة ممارسات السلطات الفرنسية المعادية للجزائريين.

وفي هذا الشأن يعيد زعيم حزب الفجر الجديد الطاهر بوبعيش في حديثه الذي خص به يومية الشروق الجزائرية القضية إلى “سياسة الانبطاح والانحناء التي تنتهجها الدبلوماسية الجزائرية التي لم تنفع أربعة ملايين جزائري مقيم” بفرنسا، وإلى “الموقف الجزائري الذي كان دوما في المستوى الأدنى مقارنة بالموقف الفرنسي”.

9