الجزائر على أعتاب حلحلة الانسداد السياسي

توقيف رجالات بوتفليقة وتنازلات الرئيس المؤقت لاستمالة انتفاضة الشارع الجزائري.
الاثنين 2019/05/06
خضوع لمطالب الشارع

الجزائر – دفعت التطورات الأخيرة في الجزائر باتجاه حلحلة الانسداد السياسي القائم منذ أكثر من شهرين، بعد التوقيفات التي طالت أقوى رموز نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، وبعد خطاب الرئيس المؤقت عبدالقادر بن صالح تكون قد اكتملت معالم خارطة طريق سياسية جديدة في البلاد.

وحقق الحراك الشعبي في الجزائر مكاسب جديدة بعد التطورات المتسارعة خلال الساعات الماضية، حيث شكل الخروج الثاني للرئيس المؤقت عبدالقادر بن صالح، أمام الرأي العام، في أعقاب التوقيفات التي طالت أكبر رموز نظام بوتفليقة، تفاعلا إيجابيا لافتا مع المطالب السياسية المرفوعة منذ الثاني والعشرين من شهر فبراير الماضي من طرف الشارع الجزائري.

وغاب الرجل الأول في المؤسسة العسكرية الجنرال أحمد قايد صالح، نهار أمس، عن الواجهة الإعلامية والسياسية، عكس الأسابيع الماضية، التي كان يضطلع فيها بتقديم رسائله السياسية للرأي العام، ويجيب عن ضغوط الحراك الشعبي التي تتكثف في المسيرات المليونية التي تنتظم كل يوم جمعة منذ أحد عشر أسبوعا.

ويوحي صمت رجل المرحلة القوي قايد صالح، المتواجد منذ أمس الأول في مقر الناحية العسكرية الثانية بوهران في غرب البلاد، بأن معالم الخارطة السياسية قد حددت بإحكام بتحييد أكبر رجالات نظام الرئيس السابق، وهم سعيد بوتفليقة، والجنرالان محمد مدين (توفيق) وعثمان طرطاق (بشير)، فضلا عن تنازلات جديدة تقدمها الرئاسة الانتقالية بقيادة عبدالقادر بن صالح.

وتسربت أفكار الرئيس المؤقت، منذ ليل الاثنين إلى الثلاثاء، حيث تحدثت عدة مصادر عن توجه عبدالقادر بن صالح، إلى التنحي عن الرئاسة، بعد إجراء سلسلة مشاورات سياسية جديدة، تستلم مخرجاتها سلطة المرحلة الانتقالية وإرجاء الانتخابات الرئاسية إلى موعد لاحق، ما يضمن للبلاد البقاء في مقتضيات بنود الدستور الحالي.

Thumbnail

واحتفظت الرئاسة المؤقتة بتفاصيل الخطاب السياسي الثاني لبن صالح، إلى غاية توقيت متأخر من مساء الأحد، تجاوز موعد الدفع بصفحات “العرب” إلى المطبعة في لندن وعواصم عربية.

وظل عبدالقادر بن صالح إلى جانب رئيس الوزراء نورالدين بدوي، على رأس اللائحة المطالبة بالرحيل عن السلطة من طرف قوى الحراك الشعبي، لإسهامهما في المؤسسات الرسمية خلال العقدين الأخيرين، حيث يشغل الأول منصبا تشريعيا منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، ويترأس الغرفة الثانية للبرلمان (مجلس الأمة) منذ العام 2002.

وتبوأ الثاني، عدة مناصب وزارية إلى أن رقي إلى رئيس للوزراء في الحكومة الحالية، وهو متهم بتزوير نتائج الاستحقاقات الانتخابية الماضية وقمع المظاهرات والاحتجاجات خلال السنوات الأخيرة، لما كان على رأس وزارة الداخلية.

ومع السقوط المتتالي لرجالات نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، تكون السلطة الفعلية قد سايرت توجهات الحراك الشعبي، وأنهت مرحلة في النظام السياسي الجزائري، الموروث من سلطة الاستقلال الانقلابية 1962 إلى غاية شهر فبراير الماضي، ويكون الشارع الجزائري قد فرض أجندته بواسطة حراك شعبي فريد من نوعه في المنطقة العربية، حيث لم تسفك فيه قطرة دم ولم تطلق خلاله رصاصة واحدة.

ويبقى موقف الحراك الجزائري من التطورات الأخيرة هو الحاسم في المفاوضات غير المباشرة والمفتوحة بينه وبين السلطة منذ الثاني والعشرين من فبراير الماضي، في ظل حالة الحذر التي تشوب الشارع الجزائري، بسبب الشكوك القائمة في نوايا النظام السياسي، ومخلفات حالة التلاعب المعنوي والنفسي، التي مارستها قيادة أركان الجيش خاصة خلال الأسبوع الأخير، لما تجاهل قايد صالح المطالب المرفوعة، وانحاز بشكل واضح للمؤسسات الانتقالية المرفوضة شعبيا.

ويرى مراقبون للشأن السياسي الجزائري أن تصعيد المسيرات الشعبية خلال الجمعة الحادية عشرة، وتغير لهجة المتظاهرين تجاه قيادة الجيش وعلى رأسها الجنرال قايد صالح، يكونان قد دفعا في اتجاه إعادة ترتيب المواقف، واتخاذ إجراءات عملية في سبيل الخروج من المأزق الذي تتخبط فيه البلاد.

Thumbnail

وأفاد بيان للمحكمة العسكرية بالبليدة بأنه تقرر إيداع كل من سعيد بوتفليقة والجنرالين عثمان طرطاق ومحمد مدين الحبس الاحتياطي بغية استكمال التحقيق في تهمة الخيانة العظمى التي يواجهونها.

وتداولت مصادر مطلعة، تهمة “الفساد” الموجهة أيضا للشقيق الأصغر للرئيس السابق ومستشاره الشخصي سعيد بوتفليقة، الذي كان يعرف بـ”الحاكم الفعلي للبلاد خلال السنوات الأخيرة”، خاصة منذ إصابة رئيس البلاد بجلطة دماغية في أبريل 2013، سببت له عجزا وظيفيا يحول دون أداء مهامه الدستورية، لكن محيطه كان يدفع به للبقاء في قصر المرادية وحتى ترشيحه لولاية رئاسية خامسة.

وكانت صحيفة المجاهد الحكومية الناطقة بالفرنسية، قد وصفت توقيف رجالات نظام بوتفليقة، بـ”الخطوة المهمة والسريعة في طريق حل الأزمة السياسية”، وكتبت في افتتاحيتها في عدد الأحد، “يبدو أن الأمور تتسارع مع إلقاء القبض أمس على ثلاث شخصيات مهمة في النظام القديم، وهم سعيد بوتفليقة، شقيق ومستشار الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، وأيضا الجنرالان عثمان طرطاق (بشير) ومحمد مدين (توفيق).. الرجال الثلاثة الذين وصفهم المتظاهرون بـ (رؤساء العصابة)، سيمثلون أمام المحكمة العسكرية بالبليدة (الناحية العسكرية الأولى) بعد فترة قصيرة”.

وأضافت “هذه الاعتقالات هي رد من قايد صالح على الطلب الملح من قبل المتظاهرين بتوقيفهم، وأنها تعبر عن التزام المؤسسة العسكرية تجاه الشعب، ولإعطاء دفعة ونقطة دعم قوية لعملية (الأيدي النظيفة) بقيادة العدالة ضد تبديد الأموال العمومية من قبل مجموعة من رجال أعمال وشخصيات على صلة وثيقة بالنظام السابق”.

1