الجزائر: عندما يصاب التاريخ بالأمنيزيا

الخميس 2014/07/10

تعرّف الأمنيزيا بأنها مرض فقدان الذاكرة، حيث أن المصاب به ينسى شخصيته، وكثيرا ما يتوه في الأرض ويعيش بشخصية أخرى. ويبدو أن هذا المرض يتوسع أحيانا أبعد من الحالة الفردية، ليصبح ظاهرة جماعية يؤدي استفحالها إلى نسيان التاريخ الحقيقي، وإلى تقمص تاريخ مزيف لا صلة له بالواقع من قريب أو من بعيد.

لا شك أن هذه الحالة المرضية قد أصابت النظام الجزائري فعلا، وها هي عدواها تنتقل الآن، رمزيا وماديا، إلى كثير من الأحزاب السياسية الجزائرية الكبرى وفي مقدمتها حزب جبهة التحرير الوطني، وحزب التجمع الوطني الديمقراطي «الأرندي» الذي يرأسه رئيس مجلس الأمة عبد القادر بن صالح، وإلى بعض التنظيمات ذات الطابع المدني، أو تلك المرتبطة بالنظام نفسه مثل اللجنة الوطنية لترقية وحماية حقوق الإنسان التي يرأسها السيد فاروق قسنطيني.

ففي هذه الأيام نشب خلاف شكلي طبعا، ولا يزال يحتدم، بين ما يُدعى في الجزائر بالأسرة الثورية وعلى رأسها منظمة المجاهدين ومنظمة أبناء الشهداء، وبين الأجنحة المطبعة الأخرى حول مشاركة النظام الجزائري في احتفالات الدولة الفرنسية في يوم 14 من هذا الشهر الجاري بالذكرى المئوية للحرب العالمية الثانية (1939- 1945) التي أسفرت عن تحرير الحلفاء لفرنسا من الاحتلال الألماني بقيادة هتلر.

من الناحية الرسمية أعلن المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الجزائرية السيد عبد العزيز بن علي الشريف بأن الجزائر قد قررت المشاركة في الاستعراض الرسمي بشارع الشانزليزيه بوفد جزائري رسمي مكوّن من 7 أفراد منهم 3 جنود تابعين للجيش الوطني الشعبي، إلى جانب 80 دولة أخرى. ووفقا لتصريحات هذا الناطق الرسمي فإن مبرر المشاركة يتمثل في إبراز دور الشعب الجزائري في تلك الحرب بصفة عامة، وفي تحرير فرنسا بالذات بصفة خاصة.

فما هو هذا الدور إذن؟ وهل تم بإرادة الجزائرية في ذلك الوقت أم أنه قد فرض عليهم فرضا عليهم وبواسطة الخداع المبيت في ظروف الاحتلال الشامل للأرض وللبشر؟

وفقا للحقائق التاريخية فإن فرنسا ومحور الحلفاء الغربيين قد وعدوا الجزائريين بمنحهم الاستقلال إذا شاركوا إلى جانب فرنسا ضد الجيش النازي، وجرّاء ذلك زجّت هذه الأخيرة بجنود جزائريين كدروع بشرية للجيش الفرنسي، وفي تلك الأثناء خرج الشعب الجزائري في مظاهرات سلمية للتعبير عن فرحه بوعد المستعمر الفرنسي بمنح الاستقلال للجزائر، لكن تلك المظاهرات قد قوبلت بالعنف الدموي الوحشي في القرى والمدن، وأسفرت عن المجازر البشعة المعروفة في التاريخ الوطني الجزائري بمجازر 8 مايو 1945 التي نفذت في اللحظات الأولى من انتهاء الحرب العالمية الثانية، وقدر عدد الضحايا الجزائريين الذين سقطوا في يوم واحد برصاص الاحتلال الفرنسي بــأكثر من 45 ألف قتيل في مدينة سطيف وفي غيرها من المناطق في المدن والأرياف الجزائرية المحتلة.

ثم تواصل البطش الدموي والتدمير لغاية عام 1962 وكانت الحصيلة سقوط مليون ونصف مليون من الضحايا الجزائريين والجزائريات. كيف يمكن للنظام الجزائري الحاكم أن يتجاهل تاريخ الشعب الجزائري، ويقفز على دماء الشهداء، ويطوي صفحات هذا الماضي الاستعماري المأساوي والوحشي بجرة قلم، ويهرول إلى الاحتفال إلى جانب فرنسا بعيد تحريرها من الاحتلال النازي، في الوقت الذي ترفض فيه (فرنسا) حتى الآن رفضا قاطعا تقديم الاعتذار للشعب الجزائري، والاعتراف باستعمارها وبمجازرها على مدى قرن وثلاثين سنة، فضلا عن تحقيرها وتهميشها المنهجيين في مرحلة ما بعد الاستعمار للجالية الجزائرية المتواجدة على أراضيها، وخاصة على أيدي اليمين الفرنسي المتطرف الذي تحميه القوانين الفرنسية، وترخص له إنشاء الأحزاب، وتفتح له أبواب المشاركة في الانتخابات، والوصول إلى سدة البرلمان وحكم البلديات والولايات عبر التراب الفرنسي كله، وبذلك تدير ظهرها لمبادئ وأخلاقيات الديموقراطية التي تمنع إنشاء الأحزاب الفاشية المؤسسة على النقاء العرقي والتطرف ضد المهاجرين؟

في إطار بروتوكولات هرولة النظام الجزائري دائما، ذكَرت السيناتورة بمجلس الأمة، والناطقة الرسمية في حزب التجمع الوطني الديمقراطي، الذي يمثل أحد معاقل النظام الحاكم الأساسية، السيدة نوارة جعفر في تصريحها للصحافة الوطنية، بأن الجزائر لم تخترع شيئا جديدا في هذا الشأن لأنه قد سبق لها المشاركة في «احتفالات فرنسا المخلدة لإنزال الحلفاء بجنوب البلاد المستعمرة سابقا وذلك عام 2004».

والغريب في الأمر هو أن حزب جبهة التحرير الوطني- وريث جبهة التحرير التي قاد جناحها العسكري ثورة 1 أول نوفمبر 1954 ضد الاحتلال الفرنسي- قد صرح أيضا على لسان عضو مكتبه السياسي السيد سعيد بوحجة لجريدة الخبر الجزائرية يوم الثلاثاء الماضي قائلا: «إن هذه المشاركة تندرج في إطار التطور الحاصل في علاقات البلدين منذ عودة الاشتراكيين إلى الحكم»، وأكثر من ذلك فإن سيناريو المشاركة القادمة في احتفالات فرنسا بعيد تحررها من قبضة النازية، يتم في الوقت الذي تضغط فيه الدولة الفرنسية على النظام الحاكم في الجزائر ليعيد الاعتبار للأقدام السوداء (المعمرون المستوطنون المستعمرون الأجانب بما فيهم الفرنسيون) وتقديم التعويضات لهم، فضلا عن الضغوط المتتالية للقبول بإعادة فتح المعابد اليهودية عبر القطر الجزائري. وبهذا الخصوص قال وزير الشؤون الدينية الجزائري محمد عيسى يوم الاثنين الماضي مغازلا فرنسا واللوبي اليهودي العالمي بأن إعادة فتح هذه المعابد هي بمثابة “رسالة إلى اليهود وباقي الديانات بأن الجزائر ليست ضدهم».

لا شك أن في الجزائر معارضة ضد مشاركة النظام الجزائري في احتفالات فرنسا بدحر النازية وتحرير أراضيها منها، ولكن هذه الأصوات المعارضة ليست سوى «خضر فوق العشـاء» كما يقول المثل الشعبي.

فالنظام الجزائري لم يفك الارتباط كليا مع الإرث الاستعماري الفرنسي، وفي مقدمة ذلك نتائج محادثات مولان عام 1960 وبقايا اتفاقيات إيفيان الأولى عام 1961، ومحادثات لوغران في العام نفسه، واتفاقيات إيفيان الثانية في عام 1962 التي نصت كلها على الارتباط بفرنسا اقتصاديا وثقافيا لمدة 20 سنة، وهي المدة التي لم تنته بل إنها لا تزال ممتدة إلى يومنا هذا، حيث نجد اللغة الفرنسية في الجزائر هي لغة الادارة الفعلية في المؤسسات الكبرى والأساسية والمفتاحية بكل أنواعها، كما نجد تعاونا اقتصاديا قدره 10 مليار أورو يعود على فرنسا بفائض سنوي قدره 2 مليار أورو على الأقل.

إن هذه الوقائع والحقائق تؤكد من جديد صدقية تحليل مفكر حركة التحرر الوطني الجزائري فرانز فانون الذي كتب مبرزا أن: “البورجوازية الوطنية ليست لها أفكار، ولأنها مغلقة على ذاتها، منقطعة عن الشعب، وعاجزة عن التفكير في مجموعة المسائل على أساس مجموع الأمة، نراها تقوم بدور الوكيل عن الغرب في إدارة مشاريعه، ونراها تنظم بلادها ماخورا لأوروبا”.


كاتب جزائري

8