الجزائر: عودة بلخادم تعبير عن الإفلاس السياسي

لماذا يكلف بلخادم بالقيام "بتصويب مسار" حزب جبهة التحرير الوطني علما أنه يمثل الحرس القديم في الحزب كما أنه جزء عضوي من أزمة البلاد التي تتخبط في التخلف البنيوي.
الخميس 2018/12/13
عودة مفاجئة

كيف يمكن تقييم إعادة النظام الجزائري للأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني عبدالعزيز بلخادم إلى المسرح السياسي بواسطة تكليفه بمهمة “تصويب مساره” دون غيره، علما أن هناك كفاءات أهم منه على مستوى التكوين الفكري السياسي ونظافة اليد وعدم المشاركة في الطبخة القديمة التي جرّت البلاد إلى مذابح العشرية الدموية وتعقيداتها السياسية والاجتماعية التي لا تزال تؤثر على نسيج المجتمع الجزائري وتطحن المشروع الباهت المدعو بالانتقال الديمقراطي في الجزائر؟

ينبغي تسجيل ملاحظة مركزية تتمثل في أن الأزمة المعقدة للنظام الحاكم في الجزائر قد حرفته عن أي مسار طبيعي حيث لم يعد له من شغل سوى الانغماس في ممارسة الشعوذة السياسية المتمثلة في فتح الدهاليز المظلمة واستخراج عجائز السياسة الجزائرية من كهوفهم وإعادتهم إلى المواقع التي فرضوا عليها على مدى سنوات طويلة وتسببوا في تكريس التخلف البنيوي ثقافيا وفكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وفي شل الجهود التي بادر بها وطنيون مخلصون من أجل بناء الدولة الوطنية العصرية.

العودة المفاجئة لعبدالعزيز بلخادم إلى المشهد السياسي الوطني بشكل عام وإلى الصف القيادي لحزب جبهة التحرير الوطني بعد إقالته من مهامه منذ خمس سنوات، ستكون لها تداعيات سلبية خطيرة خاصة وأن تكليفه بهمة “تصويب مسار” حزب جبهة التحرير الوطني لن تكون منتجة نظرا إلى كونه غير مؤهل فكريا وتاريخا سياسيا للقيام بمثل هذه المهمة. وفضلا عن ذلك فهو لا يحمل أيّ رمزية وطنية أو شرعية ثورية.

وبالإضافة إلى ما تقدّم فإن بلخادم ليس مثقفا استثنائيا في الساحة الفكرية السياسية في المشهد الجزائري إذ لا يمكن، مثلا، مقارنته بالشخصيات القيادية التي عرفتها جبهة التحرير الوطني أيام النضال الوطني، أو عرفها من بعد ذلك حزب جبهة التحرير الوطني بعد الاستقلال مثل مصطفى الأشرف وعبدالحميد مهري ومحمد الصالح يحياوي وبشير بومعزة ومولود قاسم أو مثل الشخصيات السياسية المثقفة التي لا تزال حية ترزق مثل محيي الدين عميمور وأحمد طالب الإبراهيمي ومحمد حربي، الذي لا يزال مبعدا في المنفى، وغيرهم.

ماذا يمكن أن يفعل عبدالعزيز بلخادم، ذو التكوين الفكري السياسي والثقافي الضحل، لحزب جبهة التحرير الوطني الذي جُرد من رمزيته المهشمة الأمر الذي جعله مغتربا عما تبقى من شظايا التاريخ التحرري الذي ورثه عن جبهة التحرير الوطني. من الملاحظ أن حزب جبهة التحرير الوطني لا يستند إلى المبادئ الوطنية المتناقضة جوهريا مع الموروث الاستعماري، ومع النماذج السياسية والتنموية العرجاء المستوردة من المراكز الغربية التي أصبح يقلدها بشكل أعمى، علما أنها تتعارض مع العناصر الأخلاقية التي تتشكل منها الشخصية القاعدية للجزائر.

وفي الواقع فإن مسار حزب جبهة التحرير الوطني منذ الاستقلال إلى اليوم يتميز بالتذبذب والانشطار العقائدي، وبالانحراف عن منظومة القيم التي مات من أجلها الشهداء، وهنا نتساءل: لماذا يكلف بلخادم بالذات بالقيام “بتصويب مسار” حزب جبهة التحرير الوطني علما أنه يمثل الحرس القديم في هذا الحزب كما أنه جزء عضوي من أزمة البلاد التي تتخبط في التخلف البنيوي، ولعب شخصيا دورا مفصليا في إدخال البلاد في الانحطاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي؟

ففي تقدير الملاحظين السياسيين في الجزائر أنه لم يبق هناك شيء يمكن إصلاحه في حزب جبهة التحرير الوطني المخرب المنقسم حد التشظي تنظيميا على مستوى اللجنة المركزية وفي المكتب السياسي والمحافظات والبلديات. بلخادم لا يملك المؤهلات السياسية والاستقلال الفكري للقيام بتصويب مسار هذا الحزب الذي كرَس الرأسمالية البشعة في البلاد، وفقَر الشعب الجزائر وأجهض مشروع فكَ الارتباط مع كافة أشكال التخلف والتبعية للمراكز الغربية التي تستهدف الاستقلال الوطني.

في هذا السياق ينبغي التذكير بخلفية مهمة تتمثل في أن بلخادم هو ابن تقليدي لحزب جبهة التحرير الوطني، حيث كان عضوا بمكتبه السياسي من عام 1991 إلى عام 1997 ثم أمينا عاما له لعام 2005، ولا شك أنه شارك في كل الممارسات غير الديمقراطية التي تسبب فيها هذا الحزب مثل إقصاء اللغة الأمازيغية على مدى سنوات طويلة ما أدى إلى اندلاع معركة الهوية الثقافية واللغوية في الجزائر وإلى انفجار ظاهرة الربيع الأمازيغي. وزيادة على ذلك فإن بلخادم الذي كان موظفا ساميا في الأجهزة العليا التابعة للنظام الحاكم في الجزائر لم يكن محايدا أو معارضا حينما تم إجهاض الملامح الأولى للتعددية السياسية في الجزائر، وإدخال الجزائر في مستنقع الرأسمالية المتوحشة التي ما فتئت تهشم الشريحة الوسطى وشريحة الفلاحين في الأرياف والمدن.

9