الجزائر: غياب الدولة وانهيار الأخلاق

الخميس 2015/03/05

كيف نفسر اتهام المعارضة في هذا الأسبوع، من طرف رئيس مجلس الأمة ورئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي عبد القادر بن صالح بأنها تسعى إلى التحريض، والدفع بالبلاد إلى انزلاقات خطرة تخل بالأمن الوطني في الوقت الذي يعترف هو شخصيا أن هذه المعارضة ليست لها قاعدة شعبية ملتحمة بها وتعمل معها؟

بخصوص هذه المسألة فإن النظام الجزائري يدرك تماما أن المجتمع المدني المستقل والمنظم في أطر محكمة، والذي يمثل المكون الرئيسي للمعارضة الحقيقية هو مكبل ومفكك ومقسوم إلى فرق وشيع بواسطة ألاعيب النظام نفسه. إلى جانب هذا فإن ما يسمى بالمعارضة في جزء كبير ومفصلي منها لا علاقة لها بمفهوم وممارسات القوى الضاغطة الحقيقية والصادقة، أما ما تبقى من أحزاب صغيرة وشخصيات وطنية فهي جميعا إما مقصوصة الأجنحة، أو أنها لا تملك الإمكانيات المادية والفكرية واستراتيجيات العمل السياسي النظري والميداني المتطور.

ثم كيف نفهم تبعات اتهام المجموعة البرلمانية التابعة لحزب القوى الاشتراكية لرئيس البرلمان الجزائري محمد العربي ولد خليفة بالكذب حين ادعى أنه هو من رخص لهذه المجموعة الذهاب إلى منطقة غرداية لسبر أوضاعها والاطلاع على الأسباب التي أجبرت سكانها على خوض غمار الاحتجاجات ضد النظام الحاكم؟ إن مثل هذه التهمة تعني أن البرلمان -الذي كان من المفروض أن يكون الفضاء الشعبي للدفاع عن المواطنين وسن القوانين التي بموجبها تعمل الدولة في إطار العقلانية واحترام الإرادة الوطنية الشعبية- قد تحول إلى حلبة صراعات بهلوانية وتراشق بتهم الأكاذيب، وتقديم الوعود البراقة التي لا تحقق أبدا على أرض الواقع.

ثم هل يعقل أن تدعو وزيرة التربية الوطنية، بشكل رسمي، المعلمين والأساتذة المتعاقدين ليحلوا محل إطارات التعليم المضربين بسبب عدم حل مشاكلهم المادية والاجتماعية، علما أن مثل هذا الإجراء غير قانوني وفوضوي ولن يحل المشكلة إطلاقا؟

إن مشكل المنظومة التعليمية الجزائرية بنيوي وخطير فعلا، ولا يوجد هناك في الأفق مشروع لإصلاحه، وإخراجه من النفق المظلم الذي حشر فيه منذ سنوات طويلة.

فالقضية لا ينبغي أن تختزل فقط في ضرورة إعادة النظر في الأجور المتدنية لإطارات هذه المنظومة التي يتوقف عليها مصير البلاد، بل إن مستوى التعليم في الجزائر سواء كان تعليما ابتدائيا أو تكميليا أو ثانويا أو جامعيا أو مهنيا بشتى تخصصاته لا يزال، إلى يومنا هذا، بدائيا ومتخلفا ولا علاقة له بتحديات التحديث من قريب أو من بعيد، علما أن الإطارات الجزائرية ذات الكفاءة تتسرب إلى وظائف أخرى بحثا عن المرتبات الأفضل، فضلا عن النزيف المترتب عن مغادرة الإطارات العلمية والأكاديمية للبلاد بالآلاف للعمل في الخارج، بعد أن حوصرت ودمرت نفسيا وماديا وعانت من قهر اليأس والإحباط لعدة سنوات في بلدها.

إلى جانب ما تقدم فإن المرء يجد نفسه في حيرة أمام إعلان كل من رئيس مجلس الأمة ورئيس البرلمان رفضهما الاستماع لمطالب أهالي منطقة عين صالح والتنكر لها، في الوقت الذي تتواصل الاحتجاجات ويسقط الجرحى بالعشرات من الشرطة ومن السكان.

إن التفسير الوحيد لكل هذه المظاهر هو أن الوضع الجزائري غارق في السريالية واللامعقول، وأنه ينذر بأخطار وتعقيدات لا حصر لها. ففي الواقع وضع الجزائر، في ظل هذا النظام الحاكم، يشبه الثوب البالي الذي إذا حاولت أن تخيطه هنا، فإنه يتقطع هناك وهكذا دواليك، حتى يصبح من يرتديه عاريا كما ولدته أمه. وفي الحقيقة فإن هذا النظام المراوغ يستفيد الآن من النتائج الوخيمة التي رافقت فترة العشرية السوداء التي جرحت الشعب الجزائري في العمق، وجراء ذلك أصبح هذا الشعب المهمش يتجنب الصدام كي لا تتكرر المأساة وحتى لا يدفع ثمنا غاليا مرة أخرى كما حدث له في الماضي القريب. ولكن صمت الجزائريين والجزائريات لا يعني القبول بالأمر الواقع، وإنما يعني أنه مثل البركان الذي ينتظر اللحظة المناسبة لينفجر ويقلب الطاولة على جلاديه الكثيرين.

إن ما يحدث من إضرابات في قطاع التعليم والنقابات، وعلى مستوى منطقة جنوب البلاد، فضلا عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية وغلاء الإيجار، وتدهور قطاع الصحة، إلى جانب فضائح نهب أموال الدولة من طرف كبار المسؤولين في أجهزة الحكومة والدواليب السرية للنظام دون عقاب أو محاسبة، كل هذه المظاهر تعني، مجتمعة، أن البلاد غير مستقرة وأن الدولة غائبة تماما، وأن المجتمع بلا قيادة.

إن هذا الوضع السلبي جدا يذكرني بالملاحظة الصائبة التي سجلها عالم الاجتماع الفرنسي الشهير إميل دوركايم والتي جاء فيها “أن المجتمع المكون من عدد غير نهائي من الأفراد غير المنظمين وحيث تقوم الدولة المترهلة بالاضطهاد والاحتواء، فإن هذا يشكل فظاعة اجتماعية حقيقية.. وأكثر من ذلك فإن الدولة البعيدة جدا عن الأفراد تكون علاقتها بهم خارجية تماما، ومتقطعة في التغلغل عميقا إلى ضمائر الأفراد”.

لا شك أن ملاحظة دوركايم تنطبق انطباقا كليا على الواقع الجزائري والدليل على ذلك واضح كل الوضوح، حيث أن الفوضى في عمق المجتمع الجزائري حقيقة ناصعة تكرس غياب البنيات العقلانية المنظمة، يقابلها ترهل النظام الحاكم ولجوؤه إلى أساليب الاحتواء مرَة، وإلى الاضطهاد النفسي والاجتماعي مرة أخرى فقط لكي يستمر في الحكم.

في ظل مثل هذه الشروط السلبية أصبحت علاقة الدولة بالشعب منقطعة تماما، الأمر الذي خلق ظاهرة الانسحاب النفسي للمواطنين، وانعدام الثقة التي تمثل الأساس الصلب لأية تنمية ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية.

إن انهيار الثقة بين الشعب الجزائري وبين حكامه قد أفرز مجموعة من الظواهر المرضية مثل العنف والتمركز النرجسي المفرط، ونهب وتحطيم الأملاك والمؤسسات العامة، ونشر ثقافة “أنا وبعدي الطوفان”، الأمر الذي يؤسس لانهيار كامل على المدى المنظور.


كاتب جزائري

8