الجزائر.. فضاء الإسلام وبؤس السياسة

السبت 2016/09/24

في الجزائر اليوم، نظام حاكم تتمركز كلّ قرارته بيد رجل مكلف بمهام تعود بالنفع على أفراد فاعلين، يعملون من أجل تحقيق مكاسب قبل غياب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة عـن المشهد السياسي، وأحـزاب دينيّة شريكة في السلطـة وأخرى معارضة سلميا، وأحزاب علمانيّة تنص أدبياتها على إقامة دولة مدنيّة إن وصلت يوما ما إلى الحكم، وأحزاب كبرى شريكة في السلطة تختبئ تحت عباءة الوطنية وتدافع عند الضرورة عن الإسلام، وجماعات إرهابية، لا يزال البعض من عناصرها ينتظر فرصة العودة بعد الهزيمة والتراجع، معولا على عمليات كر وفكر، ومنتظرا تمدد داعش في المنطقة خاصة بعد هروب البعض من عناصرها من ليبيا إلى دول الجوار، ونخب ومثقفون يتصارعون فكريا في أكثر من موقع.

وأقرب مثال على ذلك، ما حدث الأيام الماضية في إطار المنظومة التعليمية بعد اكتشاف خطأ كتابة اسم إسرائيل على الخارطة بدل فلسطين، وكل هؤلاء جميعهم يحتكمون، رفضا أوقبولا، للدستور، الذي ينص في مادته الثانية على أن “الإسلام دين الدولة”.

يبدو المشهد السابق جزءا من حالة عربية عامة، مع فروقات جوهرية من أهمها أن الانتماء إلى الدين يمثل الهوية، وأن صناعة القرار السياسي تشمل فضاء الدين، وإن بدت الأمور على نحو مختلف، ما يعني قيام تداخل بينهما، تفرضه في الغالب الحاجة إلى الوجود ضمن أيديولوجيا أو أطر معرفية للبقاء ساعدت قياسا على تاريخ سابق، قبـل الفتح العـربي الإسلامي للمنطقـة، على تحقيق جـدوى من ثقافة الأداة، التي كانت عسكرية، ظهرت في انتصارات كبرى، وفي وحدة جغرافية، يرى بعض الباحثين، أنها تتكرر اليوم في حدود راهنة.

التداخل، السّابق الذكر، بين الانتماء الديني والفعل السياسي في الجزائر يمثل حالـة من إثبات الهـوية، التي ترتبط بما يمكن اعتباره مقدّسا، مكانيا ومعنويا وزمانيا، وعلى خلفية هذه القاعدة يمكن قراءة الأفعال وردود الأفعال في الجزائر، خاصة ردود الأفعال التي تحمـل خصوصية لجهـة التعبير عنهـا، والتي ترقى أحيـانا لتصبح أيديولوجيا وإطـارا نظريا مؤسسا للدولة.

ومن هنـا يمكن لنا قراءة المواقف السياسية، خلال العقود الخمسة الماضية، أي منذ الاستقلال، بما في ذلك العشرية السوداء أو الحمراء (نسبة للدم المراق خلال سنوات الإرهاب).

التجربة الجزائرية الراهنة منذ ظهور الحركة الوطنية واتتشار فكرها بين عمال شمال أفريقيا، وظهور الزعيم الوطني مصالي الحاج، المتأثر بالقائد الفيتنامي هوتشيمنه، والمفكر العربي شكيب أرسلان، وتوسّعها بعد ذلك لتصبح عملا وحدويا جامعا بين الجزائريين والمغاربة والتونسيين، والتي كان من نتائجها حرب التحرير في الدول الثلاث، ثم استقلالها تباعا، لم تستطع التخلص من ثلاثة منطلقات، لا تزال مؤثرة بشكل نسبي، وهي:

المنطلق الأول: أن الإسلام مثّل هوية وانتماء في البداية، وفي وقت ثـان ولاحق هو عقيدةـ غير ملزمة للبعض.. إنه حماية سـواء على مستوى المقـاومة، أو على مستـوى الوحدة، وتحول بعد ذلك إلى كيان جغرافي عائد من تاريخ غابر، وعلى هذا الأساس لم يفكر صانع القرار في الجزائر في استبعاد الطرح الديني عن العمل السياسي، وإن كان قد حارب ـ أحيانا بشراسة ـ من أجل أن يجعل منه دينا للدولة، تماما مثلما أثبته نصا منذ أول دستور للجزائر المستقلة الصادر في 1963، حيث نصّت المادة الرابعة على أن “الإسلام دين الدولة وتضمن الجمهورية لكل فرد احترام آرائه ومعتقداته وحرية ممارسة الأديان”.

وجاءت تلك المادة لتعبر عن حال الجزائر من خلال أمرين؛ الأول أنها دولة مسلمة، والثاني أن هناك جنسيات أخرى غير مسلمة، مسيحية خاصة.

وتعمقت تلك المادة وتقدمت لتصبح الثانية في الدستور، وتحمل الصياغة التالية: “الإسلام دين الدولة” طبقا لدستور 1976 ولم تعدل هذه المادة منذ ذلك الوقت في دساتير 1989 و1996 ولا في التعديلات الدستورية في 1988 و2002 و2008 و2016، مكتفية بهذا النص دون الدخول في المسألة المذهبية.

ولهذا لا توجد حساسية تجاه المذاهب الإسلامية الأخرى، إلا من الجماعات السلفية التي ظهرت مؤخرا، والتي نتج عنها وجوده تأثير سلبي لكنه لم يشكل تغييرا في المزاج العام للشعب الجزائري.

المنطلق الثاني: الفصل بـين الإسـلام لجهة الالتزام بقواعده وتطبيق مبادئه، ويتجلى ذلك في كون الغالبية شبه المطلقة في الجزائر مسلمة، لكنها تمارس الدين ضمن تصوره الشعبي، وحين تعمل الدولة على تطويعه عبر الخطاب الرسمي ـ خطب الجمعة في المساجد مثلا ــ فإنها لا توافق، مثلما لا تحقق أيّ اختراقات أو نجاحات تذكر حين تبعد البعض من قضاياه الكبرى، في محاولة منها لجعل الدولة مدنيّة في نشـاطاتها وممـارساتها وقـراراتها ومـواقفها.

وينطبق هذا الواقع على الجماعات والأحزاب، التي سعت، ضمن ما تراه من صحيح الدين، لبعث تصور جديد للإسلام مناقض لطبيعة الشعب الجزائري، ودفعت به إلى خلافات أوصلته إلى الاقتتال المباشر، فخسرت المعركة، ولكن الدين ترسّخ أكثرعبر قناعات متوارثة لدى غالبيّة الشعب الجزائري.

هذا المنطلق أثبت خلال العقود الخمسة الماضية أن الدولة الجزائرية ليست في خصومة مع نوعين من القناعات الدينية، الأول هو ما يطلق عليه الإسلام الشعبي، والثاني، هو الإسلام الجزائري، شرط أن يظل في نطاق التنظير أو الممارسات الخاصة أو حتى الجماعية.

ولكن حين يتحول إلى عمل تغييري مؤثر على الاختيارات الكبرى، أو يسعى أصحابه ليكونوا بديلا عن النظام القائم، فإنهم يواجهون بالقوة حتى لو كانوا نتاجا لانتخابات ديمقراطية نزيهة، على غرار ما رأينا مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ في انتخابات 1991.

المنطق الثالث: إن أيّ نقـد لتيارات الإسلام السياسي، أو الجماعات الإرهابية لا بد أن يراعى فيه أمران؛ الأمر الأول أن الإسلام، العقيدة والانتماء، هو ملك للجميع وخاصة الدولة، وليس حكرا على تلك الجماعات، وأن محاربتها الهدف منه استرجاع الدين أو لنقل فك قيوده منها، الأمر الثاني: أن جرائم أو شطط أو فتن تلك الجماعات، لا تلغي حقها في الحوار والوجـود، كما لا يمكن استبعـادها، لذلـك فهي حية ونشطة وفاعلة على الساحة الجزائرية، وكل هذا، بدءا من النظام وليس انتهاء بالجماعات الإرهابية، يتحرك ضمن فضاء الدين، ولكل أهدافه السياسية، والسباق بينهما مشترك في بداياته، ومشترك في نهاياته أيضا، لكن المسارات مختلفة.

كاتب وصحافي جزائري

9