الجزائر في حاجة إلى رحيل النظام وليس إلى دستور جديد

حذر علي بن واري، المعارض الجزائري الذي يعيش في سويسرا، من أن الجزائر مقبلة على وضع صعب ما لم يبادر النظام إلى تغيير أسلوبه في إدارة الأزمات الاقتصادية والسياسية، وخاصة في ظل تهاوي أسعار النفط، وسيطرة الفساد على مختلف المؤسسات، وتمسك دوائر القصر باحتكار السلطة واستبعاد المعارضة.
الأحد 2016/01/10
توجه نحو لحظة سياسية غير مستقرة

الجزائر- ربط الوزير السابق للخزينة والمعارض السياسي علي بن واري، المادة الحادية والخمسين من النص التمهيدي لدستور الجزائر الجديد، بمسعى السلطة لقطع الطريق أمام طموحه السياسي، سواء بالترشح للانتخابات الرئاسية، أو تأسيس حزب “نداء الوطن”، واعتبر الأمر إقصاء غير مفهوم للكفاءات والأدمغة المهاجرة، ولملايين الجزائريين من الجالية المقيمة في الخارج.

أصر الخبير المالي والوزير السابق ورئيس حزب “نداء الوطن” على بن واري في حوار مع “العرب”، على وصف مشروع الدستور الذي عرضه مدير ديوان الرئاسة أحمد أويحي بالخرقة، وعلى وقوف من وصفهم بالجماعات “المافياوية” خلف المشروع من أجل الاستفراد بالسلطة، وقطع الطريق على المعارضة السياسية عموما، وشخصه تحديدا خاصة وأن أويحي أشار إليه في مؤتمره الصحفي الأخير الذي عرض فيه التعديلات الدستورية.

وأكد بأن الوثيقة التمهيدية هي صناعة دكتاتورية، وبأنه لن يعترف بهذا الدستور لأنه دستور غير شرعي ونتاج سلطة غير شرعية، وأن الإقصاء المبرمج لشخصه ولحزبه، أكد بأنه معارض سياسي حقيقي، وسيبقى مناضلا في الأطر المتاحة كلجنة المشاورات والمتابعة وقطب قوى التغيير.

وكشف بن واري عن أن قوى المعارضة بأحزابها وجمعياتها وشخصياتها، ستعقد مؤتمرا هاما في 18 فبراير المقبل، لاتخاذ المواقف المناسبة تجاه خطوات السلطة، ووضع استراتيجية حقيقية لمساعي الاستفراد بالسلطة لصالح دوائر معينة في هرم السلطة.

ودعا المتحدث إلى “رحيل النظام”، كحلّ وحيد لإنقاذ البلاد مما أسماه بـ”الإفلاس والمجاعة” بعد سنوات قليلة، بسبب تضييعه لفرصة التوظيف الإيجابي لمداخيل النفط، وفشله في تحقيق القفزة الاقتصادية اللازمة، وعلل ذلك بكون النظام يبحث عن كيفية إنفاق الثروة وليس تكوينها، ولذلك فإن نفاد المخزون المالي سيقود البلاد إلى الانفجار الاجتماعي والسياسي، وأن القوى الانفصالية الناشطة منذ عقود في الخفاء تترصد الفرصة رفقة قوى لم يسمّها للانقضاض على الجزائر حينما تتهاوى.

وشدد المتحدث في حواره مع “العرب”، على أن الدستور الجديد سيعمق الأزمة أكثر، وأن مشكلة الجزائر في خرق النصوص والدساتير من طرف النظام نفسه، فنفس الرئيس الذي وضعه هو نفسه الذي خرق الدستور الحالي العام 2008، حين داس على المادة 74 بتواطؤ مع برلمان غير شرعي، لفتح الباب أمام تعدد العهدات الرئاسية، وتساءل لماذا فتحها ولماذا يغلقها؟

قوى المعارضة ستعقد مؤتمرا هاما في 18 فبراير لوضع استراتيجية لمواجهة مساعي الاستفراد بالسلطة لصالح دوائر معينة في القصر الرئاسي

وأضاف “نظام فاسد لا يمكن أن ينتج دستورا صالحا، فرغم فشله واعترافه بالفشل، فلا مداخيل وظفت كما يجب ولا مشروع مستقبليا يطمئن الجزائريين، بل بالعكس سندخل حالة إفلاس بعد سنتين أو ثلاث بعد استنفاد الرصيد المتبقي من 900 مليار دولار دخلت الخزينة على مدار 15 عاما، فبلد يستورد كل شيء ولا ينتج أيّ شيء مصيره أسود، فمن غير المعقول أن ينتج أكبر بلد في أفريقيا مليونا ونصف مليون طن من القمح، ويستورد سبعة ملايين طن ونصف من نفس المادة.

ويعد علي بن واري من أحد الكفاءات التي عملت طويلا في قطاع المالية، حيث تدرّج في عدة مواقع كمستشار مالي ومسؤول تنفيذي في حكومات سابقة، كما شغل منصب وزير للخزينة في مطلع التسعينات، ثم نائبا لرئيس البنك السعودي في فرنسا، ومديرا لبنك سوسيتي جنرال في الجزائر.

وعمّا أثير حول المادة 51 من الوثيقة التمهيدية للدستور وإشارة أويحي المباشرة لشخصه وللناشط السياسي رشيد نكاز، قال بن واري، بأن الأمر مخطط له بدقة وإحكام، فلما تخليت عن جنسيتي السويسرية لتسهيل الترشح للانتخابات الرئاسية الأخيرة، ضمّنوا المادة المذكورة منع الترشح على كل من تجنّس بجنسية ثانية سواء تخلّى عنها أم لا، وأضافوا لها شرط الإقامة في الجزائر لمدة عشر سنوات دون انقطاع، دون أن يضعوا أيّ حسبان لحق سبعة ملايين جزائري من المهاجرين، منهم الأدمغة والكفاءات التي هجرها النظام الفاسد ومنعها من شغل مناصب قيادية في بلدهم الأصلي.

وذكرت المادة 51 من المشروع التمهيدي في شروط الترشح لمنصب رئيس الجمهورية بأنه “يستوجب على المرشح عدم التجنس بجنسية أجنبية هو وزوجه، وأن يمتلك إقامة لمدة عشر سنوات دون انقطاع في الجزائر”، وهو ما أثار استياء الجالية التي تعتزم تنظيم مسيرات احتجاجية أمام سفارة الجزائر في فرنسا، واعتبرت أن الأمر إقصاء لفئة تضم كفاءات وأدمغة ورجال أعمال، أثبتوا جدارتهم في الخارج بعدما تنكر لهم الوطن الأم.

وذكر بن واري لـ”العرب”، بأنه لما توجه للسفارة السويسرية بعدما أقصي من سباق رئاسيات 2014، للحصول على تأشيرة دخول التراب السويسري لتفقد العائلة، وجد جواز سفره جاهزا وحصل على الجنسية مجددا، وخاطبه السفير السويسري “كنا نعلم، مرحبا بك في بلدك “، في إشارة إلى ما يراه المتحدث “إقصاء متعمدا من سباق الرئاسيات”.

وقال “حتى لو تنازلت مرة ثانية عن الجنسية السويسرية، وبغض النظر عن هذه المادة، فسيختلقون أعذارا أخرى، لأن النظام متعود على تنظيم المهازل الانتخابية”.

علي بن واري
*أحد الكفاءات التي عملت طويلا في قطاع المالية.

*مستشار مالي ومسؤول تنفيذي في حكومات سابقة.

*وزير للخزينة في مطلع التسعينات.

نائب لرئيس البنك السعودي في فرنسا.

*مدير لبنك سوسيتي جنرال في الجزائر.

وأكد بن واري بأنه لولا الظروف الإقليمية المتوتّرة والحساسة، ورغبتنا في تجنيب بلدنا السيناريوهات المؤلمة، لقررنا الخروج للشارع، وسيرى الرأي العام كيف يفر رموز النظام بجلودهم في ظرف 24 ساعة.

وأشاد بما أسماه “تطابق وجهة نظر المعارضة مع الشعب الجزائري، في الموقف الرافض لأيّ مغامرة لتوظيف الشارع لفرض التغيير على السلطة”، واعتبره موقفا مسؤولا وواعيا عكس مواقف النظام المتهورة.

وأضاف “لكن هذا لن يدوم طويلا، فمع مخاطر الإفلاس فإن الجزائر تسير إلى الهاوية بسبب هذا النظام، فعلاوة على عدم إدراكه للراهن المقلق، يتجاهل مخاطر الانزلاقات والانفجار وتربص قوى الانفصال بوحدة البلاد وسلامة كيانها، وعندها سنكون مجبرين كمعارضة على تغيير سياستنا، وسندعو إلى عصيان مدني سلمي إلى غاية رحيل النظام، فالجزائريون لن يخرجوا للشارع ولن ينجرّوا إلى ألاعيب السلطة، وسيلزمون بيوتهم لأيام وأسابيع″.

واعتبر المتحدث أن السلطة حاولت ركوب موجة الإجماع الوطني خلال وفاة الرمز التاريخي والمناضل الكبير حسين آيت أحمد، ورددت الشعارات الجوفاء مع المرددين، لكنها بمجرد أن ووري الثرى، طعنت نضاله وإجماع الجزائريين على مشروعه، وأخرجت مشروع دستور يكرّس تزمت النظام وعدم الاستثمار في صنّاع تاريخ البلاد.

وتابع “آيت أحمد كرّس نضاله من أجل الشرعية الشعبية والمجلس التأسيسي والدستور التوافقي، وشكلت وفاته محطة إجماع الجزائريين على الرجل وعلى مشروعه السياسي للخروج من الأزمة، لكن النظام جاء بالنقيض وأصرّ على التنكر لأبناء الوطن ولصناع تاريخ البلاد”.

وبشأن ما بات يعرف بصراع الرئاسة وجهاز الاستخبارات، شدد بن واري، بأن موقفي كشخص ورئيس لحزب “نداء الوطن”، واضح ومكان العسكر في الثكنات وليس في الساحة السياسية ومهام المؤسسة هي حماية الحدود وأمن وسيادة البلاد، وضلوع العسكر في السياسة كلّف الجزائريين كثيرا، ففي كل انقلاب أو تدخل جاؤوا لنا بدكتاتور منذ الرئيس الراحل أحمد بن بلة إلى غاية الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة.

واعتبر إقالة الرجل القوي سابقا في جهاز الاستخبارات الجنرال محمد مدين (توفيق)، صراع أجنحة ومصالح ونفوذ لا علاقة لها بالشعب وبمصالح البلاد، فلما كان التوافق بين الطرفين المخابرات والجيش هما من استقدما بوتفليقة إلى قصر المرادية، ولما تضاربت المصالح حاول كل طرف الإطاحة بالآخر، وانتهت اللعبة للأكثر ذكاء وقوة.

6