الجزائر في مهمة صعبة لإحتواء التشنج بين الأطراف الليبية

لم تعد ليبيا مسرحا للصراع الدموي والاختلاف السياسي بين مواطنيها فحسب، لكنها صارت تشكل تهديدا لدول الجوار ومن بينها الجزائر التي استضافت في الآونة الأخيرة أطرافا ليبية تسعى للبحث معها عن حلول للأزمة باسثناء خليفة حفتر الذي يعد الرقم الصعب في المعادلة الليبية ورقم غامض في التحركات الجزائرية نحو ليبيا، في محاولة لمواجهة خطر تنظيم داعش المتمدد ولحماية أمنها القومي، وفي تحركات يراها مراقبون ليس فقط بما يخدم مصالحها، ولكن أيضا بما يحرّك الفعل السياسي الليبي.
الجمعة 2016/12/02
فتح الباب أمام حفتر لدور أوسع في المستقبل

الجزائر - تحاول الجزائر وفق مراقبين التي وإن بدت بعيدة عن الشأن الليبي البحث عن مساع لحل الأزمة الليبية مع تصاعد خطر تنظيم الدولة وتهديداته للمنطقة المغاربية وهي الحالة التي تتدخل فيها بشكل مباشر، في صورة وجود مخاوف جدية من تهديد أمنها الوطني أو الاعتداء على سيادتها.

و يرى مراقبون أنه بتطور الأحداث في ليبيا وظهور تنظيم داعش هناك، أصبحت الجزائر مهددّة في سيادتها، وبما أنها غير مستعدة للتدخل بشكل مباشر في الأزمة الليبية، وليس من مصلحتها تأييد طرف على حساب آخر، فقد اختارت طريقا مختلفا عن الدول الأخرى سواء المجاورة أو الأخرى البعيدة، ويتمثّل في وضع خطة إستراتيجية قائمة على تجربتها في مواجهة الإرهاب بما يخدم السياسة العامة للدولة باستقبال الأطراف الليبية ومحاولة ايجاد حل للازمة الداخلية ديبلوماسيا.

وتستقبل الجزائر بوتيرة شبه متواصلة منذ عامين، وفودا رسمية وسياسية ليبية من مختلف التوجهات والانتماءات والمناطق، غير أنه يبقى لافتا عدم زيارة المشير الليبي، خليفة حفتر، للجارة في القطب المغاربي، والتي تعتبر الشأن الليبي ضمن نطاق أمنها القومي، وتحاول أن تبذل جهودا لحل الأزمة الليبية دون إقصاء لأي طرف.

ويرى محللون جزائريون أن الغرض من زيارات أطراف ليبية هو إتاحة المجال للجزائر للوساطة بين الفرقاء، خصوصا أنها تقف على الحياد بينهم، بينما يرجح آخرون أن الجزائر لا تملك حلا للأزمة الليبية في ظل وجود قوى خارجية كثيرة متدخلة فيها.

وتعاني ليبيا منذ سقوط نظام العقيد الليبي، معمر القذافي، عام 2011 عقب ثورة شعبية من حالة انفلات أمني وانتشار للسلاح، فضلا عن أزمة سياسية تتجسد حاليا في وجود ثلاث حكومات متصارعة؛ اثنتان منها في العاصمة طرابلس، وهما حكومة الوفاق الوطني، المدعومة من المجتمع الدولي، وحكومة الإنقاذ، إضافة إلى حكومة ثالثة، وهي الحكومة المؤقتة بمدينة البيضاء، والتي انبثقت عن مجلس النواب في مدينة طبرق.

وكان رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح المنتمي إلى تحالف يضم حفتر، أنهى الاثنين زيارة للجزائر دامت يومين بحث خلالها الوضع في بلده، على أن تستقبل الجزائر خلال الأيام المقبلة رئيس المجلس الرئاسي الليبي، فايز السراج، المدعوم من المجتمع الدولي وأحد خصوم حفتر، ثم وفودا ليبية أخرى ضمن مباحثات لحلحلة الأزمة الليبية.

وحمل رئيس البرلمان الليبي، في زيارته غير المبرمجة للجزائر، عدة رسائل جريئة تطلب رفع الحظر على تسليح الجيش الليبي، وتقديم تطمينات للسلطات الجزائرية، بشأن المخاوف الأمنية على الحدود بين البلدين.

الغرض من زيارات أطراف ليبية هو إتاحة المجال للجزائر للوساطة بين الفرقاء، خصوصا أنها تقف على الحياد بينهم

وكشف مجلس النواب الليبي، أن أجندة زيارة الرئيس عقيلة صالح للجزائر، تتضمن العديد من الملفات المهمة المتعلقة بالمصالح المشتركة بين البلدين، والمستجدات السياسية في ليبيا، وأن تفعيل طلب رفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي، وتأمين الحدود بين البلدين من تمدد المجموعات الجهادية، يأتيان في مقدمة تلك الملفات الحساسة.

ويرى مراقبون أن البرلمان الليبي الداعم للواء خليفة حفتر، يهدف من زيارة رئيسه للجزائر إلى احتواء التشنج المسجل بين الطرفين، خاصة بعد الانتقادات المتتابعة لقائد الجيش مما أسماه حينها بـ”خذلان الموقف الجزائري لدور الجيش الليبي في المشهد الجديد”، وظهور حذر جزائري شديد على الحدود، بعد ورود معطيات على الجيش الجزائري حول تهيؤ حفتر لنقل معركته إلى المناطق المتاخمة، الأمر الذي اعتبرته محفزا للتدهور الأمني في المنطقة.

والتقت تصريحات المسؤولين الجزائريين الذين أجروا مباحثات مع عقيلة صالح، وبينهم الوزير الجزائري للشؤون المغاربية والأفريقية والعربية، عبدالقادر مساهل، على ضرورة إجراء حوار ليبي – ليبي شامل يقود إلى مصالحة ليبية دون تدخل خارجي، ودون إقصاء لأي طرف ليبي، من أجل بناء مؤسسات جديدة والحفاظ على وحدة وسيادة ليبيا.

تقريب وجهات النظر

كشف عبدالقادر مساهل وزير الخارجية الجزائري والاتحاد الأفريقى وجامعة الدول العربية عن زيارة مرتقبة لرئيس المجلس الرئاسى الليبى فايز السراج للجزائر، في إطار جهودها لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء فى ليبيا.

وتأتي زيارة السراج المرتقبة عقب انتهاء زيارة لرئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح والمسيطر على شرق ليبيا التقى خلالها المسؤولين الجزائريين لبحث دفع الحوار المتوقف بين الأطراف الليبية والذي أدى إلى عرقلة تنفيذ اتفاق الصخيرات.

ويعتقد محللون أن ليبيا على أعتاب أزمة دستورية جديدة خلال الأسابيع القليلة القادمة، مع اقتراب موعد انتهاء مفعول اتفاق الصخيرات، الذي أعطى الشرعية لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج. وتنتهي المدة القانونية لاتفاق الصخيرات الموقع في 17 ديسمبر من العام الماضي مع منتصف شهر ديسمبر الحالي بحسب نصوصه.

ووفق هذه النصوص، فإن المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج وحكومته المنبثقة عنه، سيفقدان شرعيتهما ليصبح بذلك المجلس الرئاسي مثله مثل بقية الهيئات غير الشرعية في الشرق والغرب، وذلك في وقت مازالت فيه جبهات القتال مشتعلة والخلافات السياسية متصاعدة.

وتواجه حكومة السراج هذه الأزمة الدستورية الجديدة، بينما هي لم تتجاوز إلى الآن أزمتها القديمة، حيث لم تحظَ هذه الحكومة المعترف بها دوليا بموافقة البرلمان الليبي في طبرق، وهو ما يجعلها غير شرعية لأنها لم تحصل على التصويت الكافي الذي يعطيها الثقة، ويمكنها من ممارسة عملها بشكل دستوري.

ويرجح عبدالسلام كاجمان، نائب رئيس المجلس الرئاسي، تعثر اتفاق الصخيرات في تصريحات سابقة إلى ما قال إنها “أطراف محلية تغلب مصالحها الشخصية على مصلحة ليبيا، وأطراف إقليمية تعمل على ضرب استقرار البلد، إضافة إلى أطراف دولية تمتلك مواقف متناقضة”.

الاوساط الرسمية الجزائرية تتحفظ عن الحديث عن علاقاتها بحفتر، ويبقى الغموض قائما بشأن احتمال وجود اتصالات معه

ومع إخفاق كافة المساعي حتى الآن في إنهاء الأزمة الليبية، تتحدث تسريبات إعلامية عن الإعداد لمؤتمر لحوار ليبي– ليبي في الجزائر، برعاية الأمم المتحدة، لكن دون تأكيد ولا نفي جزائري رسمي لهذه التسريبات. ومع تصاعد التحركات الليبية نحو الجزائر، يعد المشير حفتر القائد العام للجيش الليبي، المحسوب على مجلس النواب في طبرق، أبرز شخصية ليبية لم تزر الجزائر حتى الآن في إطار مساعي الوساطة الجارية منذ شهور.

وتتحفظ الأوساط الرسمية الجزائرية عن الحديث عن علاقاتها بحفتر، ويبقى الغموض قائما بشأن احتمال وجود اتصالات معه، حيث لا يؤكد المسؤولون الجزائريون ولا ينفون وجود مثل هذه الاتصالات.

حفتر رقم غامض

وفقا للدكتور أحمد ميزاب، رئيس “اللجنة الجزائرية الأفريقية للسلم والمصالحة” (غير حكومية)، “تعمل الجزائر طيلة الأزمة الليبية على المحافظة على مسافة متساوية من كافة الأطراف الليبية حتى تكون لها قاعدة صلبة تمهد لمصالحة ليبية”.

وبشأن احتمال وجود فتور في العلاقة بين الجزائر وحفتر، المدعوم من دول إقليمية، أعرب ميزاب، في تصرحات إعلامية، عن اعتقاده بأن “الجزائر ليست لها مواقف من أشخاص في ليبيا، وإنما مع مؤسسات الجزائر تتعامل مع كل طرف يمكنه المساهمة في حل الأزمة الليبية”.

والمشير حفتر، بحسب ميزاب، “يمثل رقما مهما في معادلة الحل في ليبيا بفضل خبرته وموقعه ودوره في المعادلة الأمنية ولا يمكن تصور إمكانية إقصائه من أي مساع جزائرية لحل الأزمة، فالجزائر تنظر إليه كرجل يمكنه تقديم الكثير” من أجل المصالحة الليبية.

واستبعد عبدالسلام سكية، الصحافي بالقسم الدولي في صحيفة “الشروق” الجزائرية أن “الجزائر تتخذ موقفا معتدلا ومتساويا من كافة أطراف الأزمة الليبية؛ لذلك لم ولن تقصي أي طرف”.

ورغم تعامل الجزائر مع كافة الأطراف الليبية، إلا أنها، وفق الصحافي الجزائري “لم تتعامل مباشرة مع القادة العسكريين الليبيين، فلم يتم استقبال قائد عمليات فجر ليبيا، اللواء عبدالسلام جادالله، وفي الطرف الآخر لم يتم التعامل أو استقبال المشير حفتر”.

وأضاف “القرب المكاني للجزائر مع الطرف الليبي المسيطر على غرب البلد (قرب الحدود مع البلدين) يبدو أنه فرض على السلطات الجزائرية التعامل مع هذا الطرف العسكري في مسألة ضبط الحدود ومحاربة التهريب”.

وبعثت رسائل استعداد قائد الجيش الليبي خليفة حفتر، والبرلمان الليبي، للمساهمة في تأمين حدود البلدين وحماية المصالح المشتركة (المنشآت النفطية) والحرب على المجموعات الجهادية، ارتياحا لدى المسؤولين الجزائريين، وتبقى قضية تسليح الجيش الليبي محل تحفظ جزائري ولو ظرفيا، بالنظر إلى موقفها من الوضع العام في ليبيا.

ويتوقع محللون أن الأزمة اليبية متواصلة رغم مساعي دول الجوار، حيث مازالت الحكومة المؤقتة تتصارع مع حكومة الوفاق، المدعومة من المجتمع الدولي والتي تتخذ من طرابلس مقرا لها، وكانت الحكومة المؤقتة انبثقت عن مجلس النواب في طبرق، الذي تتبع له القوات العسكرية، التي يقودها حفتر وتثير تحركاتها تنديدا من المجتمع الدولي.

7