الجزائر: لعبة الإقالة والتعيين

الخميس 2017/09/28

في الوقت الذي أعلن فيه الوزير الأول الجزائري أحمد أويحيى عن خبر صادم للرأي العام الوطني يتلخص في أن “صندوق ضبط الإيرادات أصبح فارغا وأن احتياطي الصرف تراجع إلى 100 مليار دولار وأن البلاد فقدت 50 بالمئة من مداخيل المحروقات”، نجد الساحة السياسية الجزائرية تشغلها مفاجأة أخرى تتمثل في إعادة الأمين العام السابق عمار سعداني إلى المشهد السياسي وذلك بعد إقالته منذ مدة من منصبه كأمين عام لحزب جبهة التحرير الوطني.

في هذا الخصوص فإن إعادة عمار سعداني ليست من اختصاص الأمين العام الحالي لحزب جبهة التحرير الوطني جمال ولد عباس كما توحي بذلك بعض وسائل الإعلام التي تنطق باسم جماعة تلمسان التي تستحوذ على سدّة الحكم والتي زعمت أن “الأمين العام لجبهة التحرير الوطني جمال ولد عباس عيّن الأمين العام السابق عمار سعداني ضمن اللجنة المختصة بدراسة الطعون الخاصة بالترشح للانتخابات المحلية”. ومن المستبعد أن يقوم ولد عباس بأيّ حركة تلقائية منفردة في مسألة حساسة تتعلق بتعيين سعداني في هذا المنصب. فالمرجّح هو أن جهاز الرئاسة بقصر المرادية هو الذي حرك الأمين العام الحالي لحزب جبهة التحرير الوطني ليقوم بهذا التعيين المفاجئ.

في هذا السياق ينبغي علينا طرح الأسئلة التالية: لماذا يصرّ النظام الجزائري على إعادة المسؤولين المقالين إلى السلطة مرة تلو الأخرى بعد إهانتهم بالإقالات المتكررة لعدة مرات؟

لماذا هذا الإمعان في تنميط سيناريو الإقالات التي تتوج بإعادة تعيين المقالين في مناصب سياسية وتنفيذية ودبلوماسية حساسة في عهد الرئيس بوتفليقة حتى أصبح تقليدا من تقاليده الراسخة في إدارة الحكم؟

لقد طبّق هذا السيناريو على الوزير الأول الحالي أحمد أويحيى وعلى جمـال ولد عباس وعمار سعداني ورمطان لعمامرة، وغيرهم كثير. ثمَ ماذا نفهم من هذه الظاهرة المرضية التي لا تفسر إلا على أساس أن النظام الجزائري لا يملك غير كمشة منمطة من المسؤولين الـذين يقيلهم الرئيس بوتفليقة لحين ثم يعفو عليهم ويعيدهم مرة أخرى إلى مناصبهم وكأنهم قد ولدوا من جديد بلا ذنوب؟

هل أن سياسة الإقالة ثم التعيين مجددا مقصودة وترمي إلى تثبيت صيغة جديدة في الحياة الجزائرية تتمثل في تقزيم السياسيين أمام المواطنين الجزائريين، وإلى إظهار الرئيس بوتفليقة بأنه الساحر الأوحد في مشهد السياسة الجزائرية وأنه هو فقط من يملك القدرة المطلقة وأن ما تبقى من هؤلاء الذين يُقالون ومن ثم يعيّنون ثم يطردون ثم يتوَجون على رأس الوزارات والمناصب العليا في أحزاب الموالاة وفي السلك الدبلوماسي ليسوا سوى دمى تحرك داخل مسرح السياسة الجزائرية التي تنتهك فيها أدنى أخلاقيات العمل السياسي؟

لا شك أن معاصري المراحل المختلفة التي مرت بها الـدولة الجزائرية منـذ الاستقلال إلى اليوم أدركوا أن سياسات النظام الجزائري على مدى 55 سنة لا علاقة لها بمفهوم الدولة الحديثة وبتقاليدها والتي يفترض أن يكون الوصول إلى المنصب السياسي أو التنفيذي فيها أمرا مشروطا بتوفر الضمير الوطني والنزاهة والنظافة والعلم والكفاءة والقدرة.

ويلاحظ أنه في السنوات الأخيرة قد ازداد الوضع السياسي الجزائري ترهّلا مسّ جميع الهياكل والمؤسسات، وذلك بسبب ممارسة سياسات القفز بالمظلات في الظلام حين تعيين المسؤولين على رأس المناصب القيادية.

وفضلا عن ذلك فإن المشهد السياسي الجزائري في العقدين الأخيرين شهد تطرّفا في مجال عودة الحكم الفردي الذي يفعل صاحبه ما يشاء دون رادع. وحتى النقد المحتشم الذي كان يمارس في بعض الأوقات ضد تعيين مسؤولين لا تتوفر فيهم شروط القيادة السياسية أوالتنفيذية أصبح مغيّبا سواء في وسائل الإعلام أو في غرفتي البرلمان أو في المجلس الدستوري، مثلما تم القضاء على المعارضة حيث اختفى صوتها وصارت بدورها تنتظر رضا رئيس البلاد وجماعته.

في هذا المناخ أصبح أسلوب تعيين الوزراء ورؤساء الحكومات الجزائرية المتعاقبة لا يخضع سوى لمعايير الولاء الأعمى للنظام الحاكم، والفساد المالي، والانحطاط الأخلاقي والخواء الثقافي والفكري.

كاتب جزائري

9