الجزائر: لماذا لم يفتح ملف العشرية الدموية

الخميس 2016/11/10

لماذا تخاف السلطات الجزائرية من كتابة التاريخ الوطني بكل مراحله القديمة والحديثة والراهنة كتابة شعبية وأكاديمية صريحة وبعيدا عن مقص الرقابة الرهيب، وطغيان الكتابة الرسمية التي تطمس الحقائق؟

وهل يمكن أن تتحقق المصالحة مع التاريخ وبين المواطنين في ظل إخفاء النقاط السلبية في هذا التاريخ الذي تعرض ولا يزال يتعرض للكبت؟ ولماذا لم يكتب إلى يومنا هذا التاريخ الحقيقي لفترة العشرية الدموية علما أن الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة ليس له، من قريب أو من بعيد، ضلع في تلك الأحداث الدموية الخطيرة التي تلت إلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات التشريعية في عام 1992، ومن ثمَّ حظر حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية من المسرح السياسي الجزائري منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا.

فالرئيس بوتفليقة كان في ذلك الوقت بعيدا عن الوطن بسبب إبعاده في العام 1978 عن تولّي منصب رئيس الدولة، خلفا للرئيس الراحل هواري بومدين المتوفى في السنة نفسها، من طرف جناح العقيد محمد صالح يحياوي بحزب جبهة التحرير الوطني والجهازين العسكري والأمني.

وهنا يطرح هذا السؤال: لماذا لم تفتح مرحلة الرئيس بوتفليقة سجل تاريخ حركة التحرر الوطني وما يتضمنه من تناقضات وتصفيات جسدية، وكذلك ملف العشرية الدموية بكل شفافية ومسؤولية أخلاقية أمام الشعب الجزائري على مدى أكثر من سبع عشرة سنة ماضية؟

من المعروف أن هذا الملف لم يفتح أيضا في عهد محمد بوضياف الذي تولّى، قبل اغتياله في ظروف غامضة، رئاسة المجلس الأعلى للدولة بعد أن دعاه النظام الحاكم حينذاك إلى العودة من منفاه بالمغرب إثر إجبار الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد على الاستقالة المفاجئة.

وفي الحقيقة فإن عددا كبيرا من الملفات الخطيرة، ذات الصلة بالاغتيالات في عهد حركة التحرر الوطني وبعده، أو الفساد المالي في مرحلة الاستقلال، لا تزال مغلقة بإحكام وعن سبق إصرار مثل اغتيال محمد خيضر في أسبانيا بداية عام 1967، وكريم بالقاسم في فرانكفورت بألمانيا في 18 أكتوبر 1970، وعبد رمضان في عام 1957، علما أن هؤلاء، وغيرهم من الشخصيات النضالية الوطنية الكبيرة التي صفيت جسديا، يعدون من مفجري ثورة التحرير الوطني عام 1954 ضد الاستعمار الفرنسي.

اللافت للنظر هنا هو أن المسؤولين في الدولة الجزائرية لم يعقبوا ولو بأسطر قليلة سواء بالنفي أو بالاعتراف بالحقيقة على وزير الخارجية الأسبق أحمد طالب الإبراهيمي الذي قال في حديث مسلسل مع قناة الجزيرة بأن هواري بومدين هو من قام بتصفية كريم بلقاسم ومحمد خيضر. وهكذا بقي هذا الحدث بدوره مطموسا حيث لم يكذبه النظام الجزائري الحاكم، ولم يعلن أيضا عن صحته أمام الرأي العام الجزائري.

إضافة إلى ما تقدم فإن سيناريو اغتيال الرئيس محمد بوضياف بالرصاص، وهو يلقي خطابا في دار الثقافة بمدينة عنابة الواقعة بالشرق الجزائري، لا تزال حقائقه في طيّ الكتمان رغم تصريحات المسؤولين أن العسكري المدعو مبارك بومعرافي هو الذي قام منفردا وبشكل معزول بالجريمة، مع العلم أن الكشوف الطبية لم تؤكد أن هذا الرجل العسكري كان يعاني، مثلا، من مرض عقلي يمكن أن يكون السبب في ارتكابه فعل القتل، كما أن التحريات قد أوضحت أن لا علاقة سابقة -إيجابية أو سلبية- ربطت من قريب أو من بعيد بين الرئيس محمد بوضياف وبين هذا العسكري القاتل.

أما فحص ملف العشرية الدموية التي انفجرت في مرحلة التسعينات من القرن العشرين فإنه يفضي بنا إلى قائمة الاغتيالات الطويلة التي لم تجر بشأنها تحقيقات جدية للكشف عن أسماء أولئك الذين ارتكبوا تلك الجرائم البشعة، أو عن الجهات التي كانت وراءهم.

في هذا السياق قد تمت تصفية عشرات الآلاف من المواطنين والمواطنات من بينهم الكتاب والأدباء والإعلاميون والفنانون الجزائريون البارزون أمثال المسرحي المعروف عبدالقادر علولة، والشاعر والإعلامي الطاهر جعوط، ومغني الراي الشهير الشاب حسني، والشاعر يوسف سبتي، والإعلامي إسماعيل يفصح، والإعلامية حمادي حورية وغيرهم كثير جدا، ولكن غبار النسيان قد غطى، ولا يزال يغطي، هؤلاء الضحايا الذين فقدت فيهم الجزائر أروع المواهب والكفاءات الوطنية.

إلى جانب المجازر في المدن والأرياف التي ليس لها مثيل في تاريخ الجزائر المستقلة، فإن العشرية الدموية قد شهدت أيضا ظاهرة الاختطاف التعسفي، حيث تفيد التقارير المنشورة في وسائل التواصل الاجتماعي أن هناك الآلاف من المفقودين والمفقودات الذين لا يزالون في طي النسيان ولا يعلم ذووهم عن مصيرهم شيئا يذكر.

والأدهى والأمر هو أن الأحزاب الجزائرية، بما في ذلك الأحزاب التي تعتبر نفسها معارضة، لا تزال صامتة ولم تسع للكشف عن الحقائق. علما أن إطار المصالحة الوطنية لا يعارض من حيث المبدأ تصفية ملف العشرية الدموية بما يؤدي إلى كتابة تاريخ العشرية ومخلفاتها كتابة صريحة.

ولكن الواضح هو أن النظام الجزائري لا يزال يعرقل كتابة تاريخ هذه الفترة الخطيرة التي ينبغي أن تدخل أيضا في إطار كتابة التاريخ الوطني العام بموضوعية وشفافية بما في ذلك تاريخ التصفيات الجسدية التي لحقت بالكثير من رموز ورواد ثورة الأول من نوفمبر 1954 على أيدي رفاقهم الذين كانوا يخالفونهم في الأيديولوجيا أو في الرأي بخصوص إدارة العمل النضالي المادي أو السياسي أثناء الكفاح المسلح، أو بسبب تباين التصورات المتعلقة بشكل ومضمون الدولة أو جراء الصراع المحتدم على السلطة في فترة الاستقلال.

كاتب جزائري

9