الجزائر: من مسكنات التمثيل الجهوي إلى التحايل على ثقافة الأمازيغ

السبت 2014/05/17

إلى حد الآن لا توجد إحصائية رسمية شفافة وطبيعية متداولة محليا ودوليا للنظام الجزائري عن عدد الأمازيغ الجزائريين والجزائريات، حيث يقال بأنهم في حدود 10 ملايين من أصل 38 مليون نسمة.

وبهذا الشأن هناك نكتة ساخرة رواها لي-على انفراد- وزير العدل والتربية السابق السيد محمد الشريف خروبي في جلسة جمعتني به في السنة الماضية. قال لي بأنه كان في اجتماع وزاري عربي بالرباط- المغرب وسأله وزير من دولة عربية خليجية عن تعداد سكان البربر (الأمازيغ) في الجزائر، فأجابه الوزير خروبي بأنهم يشكلون مئة بالمئة، ثم سأله الوزير الخليجي عن تعداد العرب في الجزائر، فأجابه أيضا بأنهم يشكلون نسبة مئة بالمئة. هنا ابتسم الوزير الخليجي ومن ثم سأله: كيف يمكن تصور هذا؟ التفت إليه الوزير خروبي فقال له إن الأمازيغ في الجزائر هم العرب، والبربر فيها هم الأمازيغ.

على أية حال فإنَ هذه النكتة للوزير الجزائري تعكس على نحو غير مباشر سياسات النظام الحاكم الذي تهرب في الماضي ولايزال يتهرب الآن من حقيقة الإثنيات في الجزائر، ويرفض أن يتعامل معها بعقلانية كواقع وطني تاريخي حقيقي، مثلما فعلت-على سبيل المثال- جارتنا المغرب التي وطنت ورسمت اللغة الأمازيغية في خطوة متحضرة وشفافة، والعراق باعترافه باللغة الكردية في العراق من سنوات طويلة.

كما هو معروف فإن اللغة الأمازيغية لم ترسم إلى يومنا هذا في الجزائر، بعد أن أُدرجت في الدستور منذ عدة سنوات كلغة وطنية، علما أن هذه الخطوة المحتشمة قد اتخذها النظام الجزائري لذر الرماد على العيون فقط والتحايل على المطالب الشرعية الحقيقية وليس من أجل ترقية هذه اللغة إلى لغة إدارة وعمل وحياة ثقافية عالمة وقائمة على قواعد وأسس الفكر وفتوحات التكنولوجيا والعلم.

من الملاحظ أنه طوال فترة الإعداد للانتخابات الرئاسية الشكلية التي جرت مؤخرا وبموجبها تمَ تمرير العهدة الرابعة سيئة السمعة للسيد عبدالعزيز بوتفليقة لم يرافع أي من المترشحين للرئاسيات، سواء كان ممثلا لحزبه أو كان مستقلا، عن هذه اللغة ولم يدع إلى ترسيمها وتقديم التصورات والبرنامج لإخراجها من كهف “الشفوية” إلى فضاء الكتابة العلمية المتطورة، وذلك بربطها بحقوق المواطنة.

وفضلا عن ذلك لم يحدث أي نقاش علمي بخصوص الحروف التي ينبغي أن تكتب بها، بل بقي الانقسام بخصوص هذه المسألة مسكوتا عنه في الدوائر الرسمية، وفي داخل “دكانين” أحزاب الموالاة وما يسمّى بأحزاب المعارضة.

أما على مستوى الشارع المعرب المتطرف فهناك من ينفي وجود شيء اسمه اللغة الأمازيغية بدعوى أنها من حيث الاشتقاق اللغوي منحدرة من اللغة اليمنية القديمة كما يزعم عراب هذا التيار وهو الدكتور عثمان سعدي، علما أنه لو اتبع الأوروبيون مرافعة هذا الرجل لقاموا بالتخلي عن لغاتهم الحالية من فرنسية وإنكليزية وفرنسية وإيطالية وأسبانية وغيرها، وعادوا زرافات ووحدانا إلى نبش قبور فونيمات السنسكريتية واللاتينية لنفخ الحياة فيها وهي رميم وأمعنوا توغلا في ألسنة ما قبل التاريخ.

كما هو معلن فإن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة قد أعطى مؤخرا الضوء الأخضر للشروع في التحضير لإعادة النظر في دستور الدولة دون تشكيل لجنة وطنية مركزية تمثل كل الحساسيات، وتتفرع إلى لجان فرعية لإعداد مشروع خاص بمصير اللغة الأمازيغية، مما يعني أن الدستور القادم سيكون بشكل مركزي جدا خاصا بكتابة فلسفة جزائرية -نسلا وفصلا- للعهدة الرئاسية، وربما لإعلان إمارة آل بوتفليقة، فضلا عن نفخ كيس مال النفط المخصص لقروض الشباب والشابات، وتوسيع صندوق المطلقات لتشجيع ما تبقى من المتزوجات من التحرر من أزوجهن الغلاظ.

ففي الواقع فإن الملف الإثني في الجزائر، منذ الاستقلال إلى مرحلة الشاذلي بن جديد، تم التعامل معه على التوازن الجهوي وتقسيم المناصب على أساسه دون حل جوهر المشكل الاثني نفسه المتمثل في الثقافة واللغة وتوزيع التنمية والثروة.

أما الآن فإن النظام الحالي يتعامل معه بمعية أعوانه في مؤسسات الدولة المركزية وفي الجزائر العميقة على أساس تطوير التقسيم القديم إلى عرب وبربر، الذي غذى فكرة اعتبار العرب غزاة ومحتلين، وإيهام البربر بأنهم أصحاب أرض الميعاد، وبذلك تكرست عند التيار البربري المتطرف أيديولوجيا التحرير.

إن التطوير الذي أتحدث عنه أصبح يتمثل في تقسيم البربر إلى فرعيات مجهرية ليسهل ابتلاعها عندما يتطلب الأمر ذلك وهي كما يلي: المزاب الإباضيون، والشاوية، والشنوة، والطوارق والقبائل.

لابد من التوضيح هنا أن هذا التقسيم يكمل ويدعم تقسيم فرنسا للقبائل إلى: قبائل كبرى وقبائل صغرى، بكل ما يحمله هذا التقسيم من نزعتي الفوقية والدونية اللتين تستخدمان غالبا لتحقيق التفرقة عن طريق التذكير الضمني بالفريق “القبائلي الصغير” الذي يقال إن أجداده كانوا قد رحبوا بالحكم العثماني، والتذكير بالفريق “القبائلي الكبير” الذي يقال إن أجداده رفضوا وقاوموا الحكم العثماني نفسه في فترة التاريخ الجزائري السابق على الاحتلال الفرنسي.

إن المقصود بهذه التقسيمات، دون أدنى شك، هو إخراج مسرحية شكلها هو التذكير بالخيانة الأبدية لهذا الفريق للوطن قصد إذلاله دائما، وبجهاد ذاك الفريق من أجل تحرير الوطن بهدف نفخ برنس البطولة لديه، ومضمونها هو اختراع ثنائية قبائلية (أمازيغية) متضادة تاريخيا لتكون أداة للفصل والتشتيت والإضعاف معا. بالإضافة إلى التقسيمات الآنفة الذكر هناك أيضا تقسيم المقسم إلى كل من بربر مرابطين إسلاميين أصوليين، وبربر علمانيين، وهكذا دواليك وبلا نهاية.

إن هذه التقسيمات قد وجدت لنفسها في ظل سياسات “الشللية” السياسية الحاكمة في الجزائر منذ الاستقلال إلى يومنا هذ، مواقع لها في ما يسمى بتطبيق سياسات التمثيل الجهوي أثناء تقسيم كعكة المناصب في أجهزة حكومة النظام.

لا شك أن شبكة هذا الوضع المتأزم وغير الصحي لها قواعد وامتدادات في بنية الأحزاب السياسية الحالية التي تمخضت عنها سلسلة متعاقبة من انفجارات محورية شهدتها الجزائر في فترة الاستقلال، مثل الصراع على الحكم بعد وفاة الرئيس الراحل هواري بومدين بين التيار الرأسمالي، والتيار الاشتراكي التقليدي المتذبذب والمحتشم، وهو الصراع الذي انتهى بتفكيك وقطع دابر هذا الأخير، وكذا انفجار أزمة الهوية البربرية التي تسمى الآن بالأمازيغية، ثم الانفجار المتمثل في إلغاء المرحلة الثانية من الانتخابات التشريعية التي كانت تلوح بدفن حزب جبهة التحرير الوطني إلى الأبد لو لم تجهض تلك الانتخابات في مهدها علما أنها (ويا للمفارقة) قد لعبت دورا مفصليا في الضغط باتجاه التعددية الحزبية التي قبل بها الجهاز الحاكم على مضض ودون حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية طبعا، ودون أن يؤدي ذلك إلى تبلور إمكانية تحويل التعددية الحزبية المطبوخة على نار القوى الأمنية، إلى تعددية سياسية حقيقية ومبدئية وواضحة كما في بعض التجارب الديمقراطية الغربية مثلا.

إلى جانب ما تقدم لابد من القول إن مشكلة غياب المعارضة الحقيقية والصادقة والمبدئية في الحياة السياسية الجزائرية الراكدة له جذور كثيرة يحدد بعضها مصطفى الأشرف كالتالي: “إن عنصر المعارضة مفقود أيضا بسبب موانع ترجع إلى الشعور القومي، كالأخوّة الكاذبة، والتديّن المغرض، والرجعية البغيضة، والاتجاه الأخلاقي الساذج، والقائم على تقسيم الناس إلى فقراء وأغنياء وأخيار وأشرار…”.

ومن جهة أخرى فإنه يمكننا أيضا أن نبرز بعض العوامل الأساسية الأخرى الماثلة في فسيفساء الفضاء الجزائري التي تصوغ وتحرك “لاشعور” وشعور الفصائل، بل “الفسائل” الاثنية المنغلقة على نفسها، وتسمّر التكتل الجهوي الانعزالي، ونزعة “العروشية” الموغلة في التعصب والعصبية.

لا شك أن هذا كله هو عرض وسبب انعدام حرية واستقلالية الأفراد داخل الأسرة، وغياب توزيع السلطة بعدالة في مؤسسات التعليم العامة والخاصة، وفي فضائي وسائل الإعلام والمجال الاجتماعي، وفي مؤسسة القضاء، وفي الخطابات الثقافية والفنية، فضلا عن عدم توزيع الثروة بعدالة على الرعايا الذين لم يصبحوا بعد مواطنين، واستبدال ذلك بتوزيع الفقر بالجملة على المساكين فقط. نحن إذن أمام مشكل معقد وبنيوي قائم في البنية العميقة للأفراد والجماعات، ولسنا أمام مجرد حالة تنعت غالبا بالحالة السياسية الجزائرية الظرفية. والسؤال المطروح هنا هو: ما العمل لمواجهة هذا المشكل الخطير المتعدد الأبعاد بشجاعة حتى لا نبقى ندور في الحلقة المفرغة؟


كاتب جزائري

9