الجزائر نحو المستقبل

في الجزائر اليوم تحد مبتهج للنظام، قطيعة مع الوجود المقرف الذي لازم الجزائري حتى بات يقال عنه ظلما إنه عصبي المزاج.
الخميس 2019/04/18
لا عودة إلى الوراء

حاول نظام الرئيس المخلوع عبدالعزيز بوتفليقة أن يبعد الجزائريين وخاصة الشبان منهم عن السياسة وعن الاهتمام بالشأن العام ليجعل من أغلبيتهم رعايا لا مواطنين، ومن أقليتهم منتفعين منبطحين. ومن أجل ذلك الهدف استعمل كل الألاعيب ابتداء من شراء الذمم، مرورا بتكميم الأفواه وسيف القضاء غير المستقل المعلق فوق رؤوس الجزائريين وصولا إلى انتهاج القمع البوليسي المفضوح. وليس هذا فحسب بل فجّر الأحزاب وخلق أخرى موالية وصحر الفضاء السياسي وأعلى من شأن المتزلفين والرديئين.

نسي بوتفليقة، المغرم بالثقافة الفرنسية وبلغة فيكتور هوغو، المقولة الشهيرة لهذا الأخير “أروع رمز يعبر عن الشعب هي أحجار التبليط على الشارع. نسير عليها وندوسها حتى يأتي ذلك اليوم وتسقط على رؤوسنا”.

وهذا ما وقع لعبدالعزيز بوتفليقة وحاشيته يوم 22 فبراير الماضي حين خرج الألوف من الجزائريين في كل أنحاء الجمهورية وفي مدن كثيرة في أوروبا والأميركيتين، ليقولوا له وللذين يأخذونه رهينة منذ مدة إن زمن العبث بمصيرهم والسير والدوس بالأقدام على قوانين بلدهم ودستورهم وتاريخهم قد ولى إلى غير رجعة. وليؤكدوا لهذا النظام المتعسف ولأصدقائه وداعميه في الخارج أنهم لم يكونوا خائفين منه وإنما كانوا يخافون على الجزائر، أن تعود إلى الدم والدموع بسببه.

وفي الحقيقة هو تمرد شامل لشعب كامل ليس على البوتفليقية وحدها، وإنما على النظام الذي ما انفك يؤخر الجزائر ويفرض نفسه على شعبها بقوة السلاح والمكر منذ الاستقلال.

وإن كانت لبوتفليقة حسنة فهي تماديه في محاولة فرضه على الجزائريين عهدة خامسة وهو بين الحياة والموت، إذ قدم لهم فرصة ذهبية لا فقط لتوقيفه عند حده، بل ولتجاوز نظام الدسائس الذي كان من رواده.

وانطلاقا من هذا، فليس ما يحدث في الجزائر حراكا وإنما هو ثورة شعبية حقيقية رفعت سلاح السلم فألجمت عنف النظام التقليدي وأردته مشلولا. جماهير بالألوف ثم بالملايين وفي كل يوم يزداد عددها وإصرارها ويتحدد هدفها: ترحلون يعني ترحلون. وما أربك النظام هو كون الثورة دون رؤوس محددة يسهل قطفها للقضاء عليها. وبدا واضحا أن رجال النظام ونساءه هم كائنات ما قبل الإنترنت ولذلك لم يفهموا إلى اليوم أن وسائل التواصل الاجتماعي تستعمل منذ أكثر من 10 سنوات للنداء إلى التجمهر والتجمعات في العالم كله.

كان النظام بمناوراته واستفزازاته يحاول عبثا أن يؤجج غضب المتظاهرين والرافضين للعهدة الخامسة ليجرهم إلى استعمال العنف، وكانوا في كل لحظة يشعرون بقوة اتحادهم وتلاحمهم ويحولون قنوطهم إلى وعي ثوري سلمي يغلب التعقل على الانفعال. وظهر ذلك من خلال انضباط صارم وتنظيم ذاتي محكم. وكأنهم عقدوا العزم على أن يقولوا للسلطة إنهم مصممون على القضاء على الفوضى التي خلقت منذ سنين جراء فشلها في التسيير، وعلى أنهم اتحدوا من أجل استرداد وطنهم من بين أنيابها. وبشهادة كل الملاحظين يعيش الجزائريون قطيعة حقيقية مع ما قبل 22 فبراير إذ تغيرت حتى ملامح الناس. كانت الوجوه مكفهرة عموما فغدت مبتسمة بعد ما استردت ثقتها بالنفس وكرامتها. وليس صدفة أن تسمى “ثورة الابتسامة” حتى في الإعلام الغربي، ويكفي قراءة اللافتات المتكاثرة وما تحمله من دعابة عميقة لطيفة ساخرة لنعرف الحالة النفسية المرحة للناس ومعنوياتهم المرتفعة.

في الجزائر اليوم تحد مبتهج للنظام، قطيعة مع الوجود المقرف الذي لازم الجزائري حتى بات يقال عنه ظلما إنه عصبي المزاج.

استعاد المواطنون فضاءهم العمومي بقوة حضورهم وباتوا ينظفون محيطهم بأنفسهم بعدما كانوا غير مكترثين تماما بهذا التمرد بل كان العكس هو السائد فكانت ترمى الزجاجات البلاستيكية والقمامة في كل مكان كنوع من المقاومة السلبية للنظام.

في الجو رائحة تغيير جذري حتى في السلوكيات والعواطف ويتجلى ذلك في عودة التضامن والرغبة الكبيرة في العيش المشترك بين مختلف الفئات والجهات والأيديولوجيات. وقد أخذ الأصولي وجدي غنيم درسا لن ينساه حينما استغل ثورتهم وطالبهم بإقامة دولة إسلامية، فأمطروه برسائل ومكالمات منددة وسخرية على فيسبوك اضطرته لتغيير رقم هاتفه.

وهذا التغير هو ثورة في السلوك وعودة إلى القيم وتصالح الجزائري مع نفسه. هي بداية القطع النهائي مع النظام القديم سيتحول إلى عقد اجتماعي جديد ومشروع سياسي عصري وجمهورية حقيقية.

23