الجزائر: نقاش عقيم حول حصيلة الرئيس بوتفليقة

النقاش الشكلي الذي تجريه أحزاب المعارضة الجزائرية يتميز بالسطحية ويسقط غالبا في فخ النظام الحاكم، وذلك جراء ابتعاد هذا النمط من النقاش عن العمق الشعبي وعن صلب القضايا الكبرى التي لم ينجح النظام الجزائري في تحقيقها.
الخميس 2018/05/10
البحث في تفاصيل الواقع الجزائري

شهدت وسائل الإعلام الجزائرية، والفرنسية أيضا، خلال الأسبوع الماضي سيلا من الانتقادات الموجهة من طرف عدد من أحزاب المعارضة الجزائرية إلى حصيلة ما يسمى بإنجازات الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة منذ توليه للحكم إلى يومنا هذا.

وفي هذا الخصوص يلاحظ أن بعض هذه الأحزاب تختزل مهمتها في اصطياد الثغرات في هذه الحصيلة وفي مقدمتها حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (الارسيدي) الذي يتزعمه الأمين العام الحالي محسن بلعباس الذي هاجم مؤخرا الرئيس بوتفليقة مباشرة، ونفى أنه أنجز شيئا له اعتبار منذ وصوله إلى سدة الحكم إلى يومنا هذا. وفي هذا السياق أيضا قام حزب طلائع الأحرار الذي يتزعمه علي بن فليس باتهام الرئيس بوتفليقة، وذلك من خلال الانتقادات النمطية المتكررة للأمينة الوطنية المكلفة بالإعلام في هذا الحزب وهي صابرية دهيليس حيث قالت فيها إن الرئيس بوتفليقة قد انقلب على الشعب الجزائري، ثم أكدت أن الرئيس بوتفليقة لم ينجز شيئا يذكر، فضلا عن كونه قد بدد مبلغ 1000 مليار دولار من ريع النفط ويجب أن يحاسب عليه بشفافية.

ويبدو واضحا أن كلاّ من حزبي الارسيدي وطلائع الأحرار يكتفيان بذكر بعض مظاهر الفشل في التنمية الوطنية، ولا يقدمان كشفا دقيقا لإخفاقات النظام الجزائري في تحقيق العصرنة في مختلف القطاعات المحورية مثل السكن والتعليم بكل أنواعه ومستوياته، والفلاحة والزراعة والصناعات الثقيلة والخفيفة والثقافة، وكذا تحديث الإنسان الجزائري الذي لا يزال تقليديا ذهنيا وسلوكا.

لا شك أن أحزاب المعارضة الجزائرية، بما في ذلك حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وحزب طلائع الأحرار، لا تملك أسرار المعلومات الدقيقة لتفاصيل مشكلات الواقع الوطني الجزائري على المستويات المادية والثقافية والفكرية والاجتماعية وحتى النفسية، وذلك لسبب معروف وهو أنها عجزت منذ تأسيسها المستعجل عن الدخول إلى العمق الشعبي الذي يمكن أن تستمد منه مثل هذه الأمور الضرورية والأساسية، كما تفتقد جوهريا إلى ما يسمى بالقيادات السياسية الطليعية، والمتحدات الفكرية والعلمية الجماعية العالمة والمؤهلة لإدراك طبيعة بنيات المجتمع الجزائري المادية والرمزية. وزيادة على ذلك فإن أحزاب المعارضة الجزائرية ليس لديها منهج يمكنها من الوصول إلى الحلول العلمية للأزمات والمشكلات التي تطفح على سطع المجتمع الجزائري ككل.

ونظرا إلى هذا القصور المزمن الذي تعاني منه أحزاب المعارضة الجزائرية فإننا نجدها قد فشلت أيضا في فهم أسباب دوران نشاطات الرئيس بوتفليقة على مدى 17 سنة في مسائل هامشية استغرقت بدورها زمنا طويلا دون جدوى.

إنه من المفيد القول هنا إن حزبي التجمع الوطني من أجل الثقافة والديمقراطية، وطلائع الأحرار على سبيل المثال، لم يكشفا النقاب عن التعقيدات التي أفضت ولا تزال تفضي إلى غياب القاعدة الصلبة للإقلاع الوطني نحو بناء نموذج الدولة العصرية العادلة.

لا شك أن الرئيس بوتفليقة قد ساهم بقسط معتبر في وقف إراقة الدماء بعد حرب أهلية عنيفة حصدت أرواح الآلاف من الجزائريين والجزائريات، كما لعب دورا مهما في الانتقال من حصر قضية الأمازيغية في النقاش الشكلي والموسمي حول مكونات الهوية الوطنية، إلى الاعتراف مباشرة باللغة الأمازيغية كلغة وطنية ومن ثم كلغة رسمية. وفضلا عن ذلك فهناك إنجازات تحققت في عهده في عدد من قطاعات الفلاحة والسكن والطرق المزدوجة والاتصال وتشغيل الشباب وغيرها.

علما أنها لا تتميز بخصائص العصرنة والتحديث، كما أنها لا تشكل في حد ذاتها تحقيقا لمشروع نهضوي مادي وثقافي وروحي، بقدر ما يمكن تصنيفها بكل موضوعية في خانة تنفيذ سياسات ترويض التيارات المتمردة والتهدئة في المجتمع الجزائري لضمان بقاء النظام الجزائري في سدة الحكم. ولكن أحزاب المعارضة الجزائرية، وفي مقدمتها الحزبان المذكوران آنفا، لا تفرق بين الإجراءات والقرارات الإدارية ذات الطابع السياسي البراغماتي والاستعجالي مثل الاعتراف بالأمازيغية أو السماح بإنشاء أحزاب مجهرية، وكذا تنفيذ بعض المشاريع البسيطة في مجالات المواصلات والسكن، وتشغيل الشباب وغيرها من جهة، وبين التأسيس الحقيقي لأركان الدولة العصرية والديمقراطية من جهة أخرى.

النقاش الشكلي الذي تجريه أحزاب المعارضة الجزائرية يتميز بالسطحية ويسقط غالبا في فخَ النظام الحاكم، وذلك جراء ابتعاد هذا النمط من النقاش عن العمق الشعبي وعن صلب القضايا الكبرى التي لم ينجح النظام الجزائري في تحقيقها منذ الاستقلال، بما في ذلك فترة الرئيس بوتفليقة الممتدة على مدى 17 سنة. ونعني بالقضايا الكبرى بناء الأسس الفكرية والمادية والسياسية والأخلاقية للدولة الجزائرية الديمقراطية الحداثية على أنقاض أنماط الحكم التقليدية والرجعية التي تتحكم فيها الشلل الجهوية والإثنية مثل شلل القبائل، والشاوية وتلمسان والغرب الجزائري وغيرها.

9