الجزائر وأخطار سياسات النكوص إلى الداخل

الخميس 2014/07/24

منذ أيام قليلة نشرت الصحف الجزائرية خبرا مقتضبا لم يحظ بالنقاش والتحليل سواء في وسائل الإعلام الرسمية أو التابعة للقطاع الخاص، أو على مستوى المؤسسات كالمجلس الدستوري والبرلمان ومجلس الأمة.

يقول نص هذا الخبر بأن رئيس الدولة عبدالعزيز بوتفليقة دعا رسميا إلى وضع فقرة في الدستور الجزائري، الذي تجري المشاورات حوله حاليا قصد تعديله، حيث سيمنع الجيش الجزائري بعد ترسيم هذه الفقرة من ممارسة أي نشاط خارج الحدود الجزائرية. ما معنى هذا، وكيف نقرأ الجوانب المضمرة لهذا التوجه وما هي التداعيات التي ستنجم عنه في المستقبل؟ وهل يمكن أن نفهم منع القوات المسلحة الجزائرية من الخروج خارج الحدود الوطنية على أنه التفكير الذي يتضمن التمهيد للإعلان عن إمكانية تحويل الدولة الجزائرية إلى دولة محايدة؟

عمليا فإن تجسيد مثل هذا التوجه مشروط بقوانين نوعية تضبطه وترسَمه لتحصل له الشرعية والغطاء الدوليين، أم أن الأمر يعني الالتزام الدستوري الذي بموجبه يتم ترسيم العمل بسياسات عدم التدخل العسكري في الخارج (وهذا حسن) والاكتفاء بحق الدفاع عن الوطن في حالة الضرورة أي في حالة العدوان على السيادة الترابية؟ أم أن المقاصد الحقيقية لمهندسي النظام الجزائري تعني في الجوهر عزل الجزائر أمنيا، وعدم الدفاع عن أية دولة جارة في المنطقة المغاربية، أو شقيقة في المشرق العربي يمكن أن تتعرض لهجمة عسكرية أجنبية.

هنا لابد من التذكير بأن الجزائر كانت قد شاركت من قبل عسكريا وبدعم مالي ولوجستي في حربي 1967 وأكتوبر 1973 إلى جانب الجيش المصري والقوات العربية الأخرى ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولكن هذا الموقف قد تبخر الآن والدليل على ذلك عدم مشاركة الجزائر عسكريا في أي نزاع مسلح ضد العدوان العسكري الأميركي على العراق أو الإسرائيلي على لبنان أو على فلسطين المحتلة، كما أنها لم تفعل شيئا للحيلولة دون تدخل قوات الناتو في الشأن الداخلي العربي.

ماذا سيكون الموقف الجزائري إذا دعيت الحكومة الجزائرية من طرف مجلس الأمن الدولي إلى المشاركة، ضمن قوات حفظ السلام في إحدى دول العالم، في الوقت الذي يمنع فيه الدستور خروج الجيش الوطني خارج حدوده؟ أليس هذا التوجه نتيجة للعزلة التي ما فتئ يسيَّج بها النظام الجزائري نفسه منذ سنوات ومحصلة للابتعاد عن القضايا العربية ذات الطابع الأمني؟

انطلاقا من هذا السؤال علينا طرح أسئلة أخرى حول ظاهرة الانسحاب النفسي الجزائري إلى الداخل، والذي يترجم بأشكال مختلفة في صورة عدم الخوض في القضايا العربية الساخنة والمصيرية بشكل خاص، وفي القضايا الأجنبية الأخرى بصفة عامة، والاكتفاء بالعلاقات البراغماتية. كما هو واضح على ضوء الممارسة فإن السياسة الخارجية الجزائرية تتميز حاليا إما بالتقوقع، أو بالتخلي عن ممارسة العلاقة التفاعلية بالعالم الخارجي والمشاركة في التأثير الإيجابي في السياسات الدولية.

في الواقع فإن بذور وجود هذه السياسة التفاعلية قد برزت ملامحها في السنوات الأولى من الاستقلال الوطني، ثم سرعان ما تلاشت تدريجيا ابتداء من مرحلة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد. من البديهي القول هنا بأن سلوك مرحلة الرئيس الراحل بومدين في المنطقة المغاربية لم يكن كله مؤسسا على استراتيجية وطنية مستقبلية تؤدي إلى خلق المناخ الملائم والشروط النفسية والمادية والمعنوية مع الجيران في التاريخ والجغرافيا والثقافة والمصير المشترك، لتجاوز الصراعات الهامشية على الحدود المرسومة من طرف الاستعمار الفرنسي، إلى بناء الوحدة المغاربية الصلبة التي سطرت ملامحها وعناصرها في العمق التاريخي المشترك القديم، وفي عصر محاربة المستعمر الفرنسي.

يبدو أن السياسة الخارجية الجزائرية الموجهة في الوقت الراهن إلى المحيط المغاربي، تفتقد المبادرة الذاتية والمواقف الراديكالية والمشاركات المعتبرة، مثل تحييد الخلافات ونزع التوتر لخلق مناخ الثقة والتكامل الاقتصادي والأمني والثقافي والسياسي، تمهيدا لبناء الوحدة المغاربية المطلوبة شعبيا، والتي بتحققها تزول النزاعات الشكلية على الحدود العازلة للطاقات المغاربية، وتذوب الدولة القطرية التي تبدو قزما أمام تحديات الاتحاد الأوروبي، التي ستواجهنا مستقبلا في جميع المجالات الحيوية.

فالوحدة المغاربية لا ينبغي أن تحشر في خانة ضيقة وأن ينظر إليها على أنها مجرد وجهة نظر، وإنما هي مشروع شعبي حضاري له سنده التاريخي ومظلته النفسية الواقية في وعي ولاوعي المواطنين والمواطنات، وله ركائزه المادية والبشرية والثقافية. وبدلا من تفعيل استراتيجية الوحدة كأفق حيوي لا مستقبل لنا دونه، فإن النظام الجزائري يتمسك بسياسات الإبقاء على الحدود مغلقة، وبذلك لا يعطي الفرصة للانفراج السياسي لينمو ويكبر ويتحقق في ظله الاتحاد المغاربي الديمقراطي القادر على العيش في عصر التكتلات الكبرى.

بانوراما هذا الوضع السلبي ينبغي أن تقودنا إلى تحليل ظاهرة النكوص الذي يسم السياسة الخارجية الجزائرية وأسبابه وأخطاره، وإلى بذل الجهد من أجل فهم مشكلة انغلاق هذه السياسة. الانكفاء على الذات والنكوص إلى الداخل بأنواعه هي:

1 - النكوص الموقعي، الذي يتصف به النظام الجزائري من حيث بنيته النفسية بكل تعقيداتها ويتمثل في التمركز المغلق داخل الجغرافيا المحلية، ومنع المثاقفة والارتباط الحيوي بالجار أو بالآخر الأجنبي.

2 - النكوص الزمني، الذي يتميز المصاب به بالعودة النمطية اللاواعية إلى الموضوعات القديمة التي أسرته ومثلت لديه العالم- المثال في الغالب ومن ثم يقوم بممارسة فعل الانغلاق بداخلها وإعادة إحيائها باستمرار.

3 - النكوص الشكلي الذي يتخذ صورة التعبير عن الموضوعات القديمة بأساليب بدائية، ونجد أمثلة لها في تغييب التعبير عن المشكلات بصدق وشفافية، بدلا من اللجوء إلى أساليب غير عقلانية مثل قياس الكل الذي هو مشروع بناء صرح الوحدة المغاربية ببعض الجزئيات السلبية التي لا تخلو منها علاقات الجوار في أي مكان في العالم، علما وأن علاج هذه المشكلات يتم بيسر، إذا توفرت النيات الصادقة والانتصار للمشترك وتغليب إرادة العيش معا، على التشرذم والعزلة.


كاتب جزائري

9