الجزائر.. وإحالة حزب جبهة التحرير على المتحف

الخميس 2016/08/18

كيف نفهم استمرار تخبط حزب جبهة التحرير الوطني وانقسام صفوفه؟ ولماذا تختبئ القيادة التقليدية لهذا الحزب تحت عباءة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة؟ وهل يعود تصدي المجموعة المدعوة بمجموعة التصحيحيين داخل الحزب إلى تناقضات مبدئية حقيقة، أم أن الصراع بين عناصر هذه المجموعة وبين جماعة الأمين العام عمار سعداني لا يتجاوز نطاق الصراع حول المناصب والزعامة؟ ثم كيف يمكن أن يكون هذا الحزب طليعيا في الوقت الذي يمارس فيه وظيفة مرسومة له من طرف أجهزة النظام وتتمثل في أن يكون مجرد واجهة له تبرر وجوده وتعطل التغيير في الجزائر؟

بعد الانشقاقات التي عصفت بهذا الحزب برزت في الآونة الأخيرة أصوات لها ثقلها السياسي في البلاد، وتناقلت وسائل الإعلام الجزائرية عريضة وقّعها عدد من المجاهدين البارزين دعوا فيها إلى إحالة حزب جبهة التحرير الوطني على التقاعد، ومن بين هؤلاء الموقعين وزير الداخلية الأسبق عبدالرحمان مزيان شريف وزهرة ظريف بيطاط. علما أن معظم هذه الوجوه التي سحبت ثقتها من هذا الحزب تعد من الشخصيات الكبيرة في الحياة السياسية الجزائرية وفي مشهد النضال التحرري الجزائري. ومما يؤسف له أن رد قيادة حزب جبهة التحرير الوطني، من خلال بكر عسول رئيس لجنة إطارات الحزب، على موقف هؤلاء الموقعين قد تجاوز الحدود الأخلاقية وأساليب النقاش الموضوعي. لا يعقل أن تتهم المجاهدة زهرة الظريف التي ناضلت طوال الحرب ضد فرنسا بالعمالة لهذه الأخيرة.

ومن المعروف أن الكتب التاريخية المتخصصة في حركة التحرر الوطني تؤكد أنها كانت صديقة لأسطورة الثورة التحريرية الجزائرية جميلة بوحيرد، وبالإضافة إلى ذلك فإن الموسوعات العالمية الموثوق فيها تصف نضالها كما يلي “عند اندلاع الثورة الجزائرية انضمت إلى صفوف جبهة التحرير الوطني كما كانت في قسم المظاهرات الجزائرية، وأول امرأة تشارك في زرع القنابل في طريق الاستعمار الفرنسي، وكانت من بين النساء اللاتي شاركن في رسم الخطط وتنفيذها، وكانت قائدة جمعية النساء الجزائريات حتى الاستقلال إلى أن تم القبض عليها في حي القصبة”.

وزيادة على كل هذا التراث التاريخي لهذه المناضلة فإن زوجها وصديق دربها ضمن صفوف الحركة الوطنية هو رابح بيطاط الذي كان من قادة الكفاح الوطني ويعد تاريخيا من “مجموعة الاثنين والعشرين، ومجموعة القادة التاريخيين الستة الذين أعطوا إشارة انطلاق الثورة الجزائرية التحريرية، والذي عين بعدها مسؤولا عن المنطقة الرابعة بمنطقة الجزائر العاصمة، ثم اعتقلته السلطات الاستعمارية بعد الحكم عليه بالسجن المؤبد، ثم أطلق سراحه بعد وقف إطلاق النار في 1962، وعين بعد الاستقلال نائبا لرئيس مجلس أول حكومة جزائرية وبعد ذلك وزيرا للدولة، ووزيرا مكلفا بالنقل، وترأس المجلس الشعبي الوطني. وبعد وفاة الرئيس هواري بومدين تقلّد بالنيابة رئاسة الجمهورية لمدة 45 يوما، ثم تولى رئاسة المجلس الشعبي الوطني لمدة أربع فترات تشريعية”. فكيف تسمح قيادة حزب جبهة التحرير الوطني التي يقودها عمار سعداني لنفسها بتشويه هذا التراث وأصحابه؟

خلاف هذه المجموعة الموقعة على البيان مع القيادة الحالية لهذا الحزب ليس مؤسسا على التناقضات الأيديولوجية أو على الشرعية العقائدية، وإنما هو إفراز للوضع السياسي الجزائري باعتباره وضع الأزمات المركبة المستمرة التي تتعمق أكثر فأكثر. الخلاف بين هذين القطبين هو صورة مجسمة لغياب الإجماع على أي مشروع تحديثي يخرج البلاد من حالة الركود، ومن مأزق حكم البلاد بواسطة جماعة لا تتوفر لديها الكفاءة السياسية والأخلاقيات المدنية والمعرفة العلمية والصدق والنزاهة لقيادة الجزائر.

ينبغي التوضيح أيضا بأن حزب جبهة التحرير الوطني، وريث جبهة التحرير أيام حركة التحرر الوطني، قد تخلى عن جميع المبادئ الكبرى التي قامت عليها جزائر ما قبل الاستقلال وفي صميمها رفض استيراد النظام الرأسمالي البشع، والتخلي عن التبعية لفرنسا في كل المجالات الحيوية سياسيا واقتصاديا ولغويا. وبهذا الخصوص يبرز أحد قادة حركة التحرر الوطني الجزائري وهو مصطفى الأشرف أن مشكلة حزب جبهة التحرير الوطني بعد الاستقلال عميقة فعلا وتتمثل في إعادة إنتاج موروث جبهة التحرير الوطني بعد “أن تشكلت كمنظمة سياسية عسكرية للكفاح المسلح وللحرب الثورية الجذرية، لم تهتم بتحديد بنيتها لتعمل كحزب له قيادة، وله نشاط معين، وله نظام مستقل يتقيد به المناضلون، وله مذهب عقائدي للتوجيه، وله سلطة قومية عليا قائمة باستمرار فوق الجميع. ولذلك اضطرت جبهة التحرير الوطني بعد الاستقلال إلى فسح المجال لجيش التحرير لكي يحتل مكان الصدارة”.

بقاء حزب جبهة التحرير الوطني متقوقعا ضمن هذه الدائرة المغلقة في مرحلة الاستقلال هو الذي جعله مجرد ديكور للنظام الحاكم، وبذلك تخلى عن ثلاثة عناصر مهمة وهي؛ الدفاع عن خيارات الشعب لا النخب التي أثرت على حساب الفقراء، وممارسة النقد العلمي والرقابة الصارمة على الحكومة التنفيذية فضلا عن الاستقلال عن أجهزة الجيش والأمن التي تعمل بآليات الهيمنة والقوة القمعية بكل أنواعها، واعتناق مبدأ التداول على السلطة. أعراض الصراع بين المجموعات القيادية داخل هذا الحزب ليست سوى ترجمة لفشل الجزائر في أن تصبح قطبا عصريا في المجالات التي تشكل بنية الدولة المدنية الحديثة.

كاتب جزائري

9