الجزائر.. وتعميم ثقافة الفساد

الأربعاء 2016/04/06

خلال العشرية السوداء في الجزائر، البعض يسميها الحمراء أو الدموية، عمَّت ثقافة العنف والإرهاب، وفي ذلك الوقت طرح محليا وعالميا سؤال: من يقتل من؟، ومع أن إجابته كانت معروفة، خاصة بالنسبة لنا نحن الجزائريين، إلا أنه عمر طويلا ولا تزال تبعاته قائمة إلى الآن، وقد تستمر إلى وقت طويل، بل إن إعادة طرحه سعيا للبحث عن إجابة ترضي قوى بعينها، تلوح في الأفق لأسباب ثلاثة، تُتًّخذ أحيانا مواضيع للنقاش المحتشم، المصحوب بقوة السلطة واستقرار المجتمع وازدهار الاقتصاد، وهو هنا مرتبط بواجبات الحكم تجاه المواطنين، وتكون في أحايين أخرى كثيرة صوتا لمعارضة شرسة في حال ضعف السلطة وتراجعها، كما هي الحال اليوم، وتأتي هنا مدافعة بل ومطالبة بحقوق المواطنيين.

أول تلك الأسباب، هو وجود بقية من الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ومن يساندها من عناصر مسلّحة غير ظاهرة في الوقت الراهن، ترى أن شرعية الدولة الجزائرية، ليست شرعية السلطة فقط، ناقصة ما لم يتم الاعتراف بحق الإنقاذ في العودة، مع أن هذا التصور أو المطلب يخالف كل الحقائق والمعطيات على الصعيد الدولي، وليس فقط على المستوى المحلي.

السبب الثاني: أن الدولة الجزائرية لم تستفد من تجربتها السياسية والدموية، حيث تؤسس لنمط جديد من العلاقات يقوم على استراتيجية تركز على بناء مجتمع جديد يتم فيه الاعتراف بمختلف القوى المؤثرة في مسار الحياة العامة، وتُنْهي سياسة الإبعاد والإقصاء التي لا تزال قائمة إلى اليوم باعتبارها ميراثا مرا.

السبب الثالث: تركة الحرب الأهلية، وهي تتكون من شقين، الأول عدم الوصول إلى نتيجة في ملف المفقودين، والشق الثاني الاختلاف حول تفسير قانون المصالحة الوطنية بين المعارضة الإسلامية السابقة، وبعض من أنصارها من جهة، ومؤسسات الدولة الجزائرية من جهة ثانية.

تلك إذن تبعات الماضي القريب، فماذا عن جزائر الحاضر؟ كل المعطيات والحقائق المعلن عنها، ودون الحاجة في البحث عن المسكوت عنه أو المعلومات السرية أو تلك الأخرى غير المتداولة، تشير إلى أن الجزائر تدخل أصعب مرحلة في تاريخها منذ الاستقلال، بسبب تعميم ثقافة الفساد على كل المستويات، وعلى خلفية الوضعية السابقة تراجعت سلطة نظام الحكم، واهتزت ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ولم يعد معوّلا عليها من دول الجوار، ونتيجة لذلك يتحمل الجيش الجزائري، رغم محاولة ابتعاده عن السياسة وميله إلى الاحتراف، عبء انفجار محتمل على صعيد الجبهة الاجتماعية.

واضح أن الدولة الجزائرية اليوم تميل إلى “العسكرة” نتيجة لتعميم ثقافة الفساد، فهي مثلا تتخوف من الوضع السائد في ليبيا وتعمل جاهدة على منع تسرب السلاح والعناصر الإرهابية، وقد تمكنت من حماية البلاد إلى حد بعيد، ولكنها باكتشافها لصواريخ ستينغر في قمار بولاية الوادي في مارس الماضي، صارت ترى أن الخطورة من الداخل، وقد يكون ذلك نتيجة عمل تجاري لصالح الجماعات الإرهابية، خاصة وأن تلك المنطقة قريبة من الحدود الجزائرية التونسية.

من ناحية أخرى، فإن ضعف السلطة على خلفية مرض الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، وضعف المعارضة كونها لا تستند إلى دعم شعبي، ضاعفا من دور الجيش في الحياة، صحيح أنه لا يتدخل بشكل مباشر، لكنه مطالب من المجتمع والسلطة والقوى السياسية المعارضة بحماية الدولة وإزالة بؤر التوتر، وهنا تكمن الخطورة، لأن السياسيين، سلطة ومعارضة، ذاهبون في غيهم لفرض الأمر الواقع، من خلال نشر ثقافة الفساد، مما قد يترتب عليه اعتبار الجيش شريكا في الفساد، وهذه المرة لن يوجه الاتهام لبعض القيادات، وإنما للمؤسسة العسكرية بكاملها، وهذا سيفقد الجزائر قوتها الحقيقية.

الفساد اليوم في الجزائر حالة عامة، بناء على ما ينشر في الصحافة وما يذكره المسؤولون، وما تظهره السلطة والمعارضة، وما يصرح به قادة الأحزاب، بمن فيهم أولئك المؤيدوة للرئيس بوتفليقة، وما تنشره المؤسسات الدولية ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام، ونظام الحكم في الجزائر غير مبالِ بما يحدث على مستوى الجبهة الداخلية، مُراهنا على مخاوف الجزائريين من عودة الإرهاب، وهو بذلك يُقايض الشعب أمنا ظاهرا بفساد عام، سبق له أن تابع عناصره قضائيا ثم أعلن براءتهم، واتهم المؤسسة الأمنية بتلفيق ملفات لهم، ومع إدراكه لعدم تجاوب الشعب معه إلا أنه يواصل عملية تشويش مقصودة يُتوقع أن تنتهي بحماية جماعات الفساد المتغلغلة في كل أجهزة الدولة.

قوى كثيرة في الجزائر تحمي الفساد وتسانده، مُروّجة لفكرة مفادها انتشاره في كل دول العالم، منها على سبيل المثال: مؤسسات الدولة، بعض رجال الأعمال، سياسيون من السلطة والمعارضة، يضاف إلى ذلك منظومة قانونية وضعت لخدمة جماعات الفساد، ومؤسسات الدولة الأمنية والجمركية، بل إنه يعدُّ ظاهرة عامة داخل المجتمع، من ذلك الرشاوى، وانتشار المخدرات، وموت الضمائر لدى كثير من العاملين في مجالات حيوية ومنها التعليم.

الحال تلك تقض مضاجع أطراف جزائرية كثيرة، خاصة النخب، لكنها ترى من الصعوبة بمكان توقيف تمددها، وتتخوف من احتمال انهيار الجبهة الداخلية، ولتفادي ذلك ترى من الضروري شن حرب عن الفساد تشارك فيه مؤسسات الدولة ورجالها المخلصون، وإعلان الجيش عن موقفه الصريح من تعميم ثقافة الفساد، وعدم حماية عناصرها حتى لو تعلق الأمر بالرئيس، والكف عن مقايضة الأمان بالفساد، ذلك لأن الثورات أوشكت على الانتهاء في معظم الدول العربية، ويلوح في الأفق اشتعال نارها وفتنتها في الجزائر، برغبة وإلحاح أطراف جزائرية وأخرى خارجية، ولا حماية للبلاد من غدها المخيف إلا الحرب على الفساد وجماعاته.

كاتب وصحفي جزائري

9