الجزائر: وزارة للثقافة أم دكان لنهب الأموال

الخميس 2015/04/30

في هذا الأسبوع فجرت لويزة حنون، زعيمة حزب العمال الجزائري، قنبلة من العيار الثقيل باتهامها لوزيرة الثقافة الحالية نادية لعبيدي بأنها رئيسة “عصابة” داخل عقر وزارة الثقافة، حيث أوضحت أمام الرأي العام الجزائري أن مهمة هذه العصابة منحصرة في الاستيلاء على الأموال بطرق ملتوية ولصالح شركة “بروكوم أنترناشيونال” التي تملكها الوزيرة. وإضافة إلى هذا نددت الأمينة العامة لحزب العمال بالفساد المالي الذي يطال وزراء في حكومة عبدالمالك سلال، منهم وزير الصحة عبدالمالك بوضياف، ووزير الأشغال العمومية عبدالقادر قاضي فضلا عن مؤسسات أخرى تابعة للدولة متورطة في التلاعب بأموال الشعب.

وفي التقرير الذي نشرته جريدة الشروق اليومي توضيحات خاصة بالأموال التي استفادت منها وزيرة الثقافة نادية لعبيدي حيث يتمثل ذلك في “الاستيلاء على فيلم ممول من خزينة الدولة وتهريبه إلى تونس ونالت منه 80 بالمائة”، وفي “التحايل على الوزارة الأولى لافتكاك مبالغ مالية ضخمة تذهب في غير الصالح العام وبالتحديد لتمويل شركتها”. وفي هذا السياق أكدت لويزة حنون، أن سلوك وزيرة الثقافة يتلخص في “توزيع المال العام على أصدقائها وأحبابها”.

أما رئيس الكتلة البرلمانية لحزب العمال جلول جودي فقد رافع أمام أعضاء البرلمان في الاجتماع المخصص لمناقشة قانون الكتاب، مبرزا أن عمليات توزيع وزيرة الثقافة نادية لعبيدي لأموال الوزارة على المقربين منها من سينمائيين وموسيقيين ودور نشر، تعد بعشرات المليارات دون سند شرعي قانوني. إلى جانب ما تقدم من شكوك وملابسات واتهامات، فإن وزيرة الثقافة نادية لعبيدي متهمة أيضا بأنها أبرمت “صفقات مع السفارة الأميركية مكافأة مقابل تمتيع ابنها بمنحة للدراسة بالمجان في الولايات المتحدة”.

العجيب أن حزب العمال أعلن أن الوزيرة لعبيدي هددت الأمينة العامة للحزب، وتضمنت هذا التهديد رسالة تحمل توقيعها وختم الوزارة في سابقة مخلة بالأعراف والقوانين، ولم تعرفها الدولة الجزائرية من قبل إلا في عهد الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

وفي الحقيقة، فإن ما يظهر على السطح من تلاعب بأموال الشعب الجزائري على مستوى وزارة الثقافة ووزارات أخرى ومؤسسات تابعة للدولة ليس سوى غيض من فيض، لأن السائد في مسرح هذه الدولة هو نهب المال العام، وإسناد المناصب للأشخاص الذين يتقنون هذه اللعبة المشينة، ولعديمي الكفاءة في تسيير شؤون الثقافة والاقتصاد والتنمية، والتصنيع والسياحة والتعليم.

على مستوى وزارة الثقافة، مثلا، فإنه لم يكشف النقاب بعد عن الأموال الضخمة التي صرفت بطرق مشبوهة على ما يسمى بالتظاهرات الثقافية الوطنية والجهوية التي تشرف عليها مديريات ودور الثقافة في المحافظات، والتي تحمل الطابع الدولي التي تشرف عليها مباشرة وزارة الثقافة ومديرياتها المركزية مثل تظاهرتي “تلمسان عاصمة للثقافة الإسلامية”، و”قسنطينة عاصمة للثقافة العربية”، فضلا عن المهرجانات المسرحية، وغيرها من النشاطات التي تحمل يافطة “الثقافة والفن والفكر”.

عمليا فإن الحياة الثقافية ذات المضمون الحضاري في الجزائر غائبة تماما، كما أن صناعة الكتاب متخلفة لحد بعيد، أما حقول المسرح والسينما والآداب والنشر والطباعة والترجمة والمجلات المتخصصة والفنون الشعبية والتصميم المعماري والفنون التشكيلية بأنواعها والموسيقى والغناء، فإنها تعاني جميعا وهي بشكل عام معطلة ومتكلسة. وبالإضافة إلى هذا فإن المبدعين الأكفاء في مجالات الثقافة والفن والفكر يعانون مرارة الإبعاد أو التفقير المادي والتهميش المعنوي، الأمر الذي زرع ويزرع اليأس والإحباط في نفوسهم.

على ضوء هذا فإن حال الثقافة في الجزائر تسييرا، وخلقا لمناخ وشروط الإبداع يرثى له، وما ظاهرة اختلاس الأموال المرصودة للفعل الثقافي المفترض سوى مظهر خارجي لمرض مستفحل في جسد الحياة السياسية الجزائرية على نحو خاص.

مؤسسات الدولة الجزائرية المخولة قانونيا بأن تراقب المال العام، بما في ذلك مالية وزارة الثقافة ومؤسساتها المركزية والجهوية، هي مجلس المحاسبة بالدرجة الأولى، والبرلمان ومجلس الأمة بالدرجة الثانية، ولكن هذه الهيئات لا تملك السلطة الحقيقية وتصطدم بمشكل عويص ومعقد يحول دون تفعيل قدراتها على الرقابة الشفافة والصارمة، يتمثل المشكل في كون مجلس المحاسبة في غرفة الإنعاش وشبه ميت، وغير مستقل لأنه ببساطة تابع لرئاسة الجمهورية التي تحركه كما تشاء، كما أن على رأس قيادته أشخاصا موالين للنظام الحاكم ومعينين من طرف رئيس الدولة مباشرة.

أما البرلمان ومجلس الأمة فهما مجرد “ناطورين” لا دور لهما سوى رفع الأيدي وتمرير القوانين التي تملى عليهما من فوق، كما أن رئيسيهما يفرضان من طرف الصقور في الهرم الأعلى للنظام الجزائري، ويؤخذ في الحسبان أثناء انتقائهما للقيام بالمهمة ولاؤهما المطلق للنظام.

كاتب جزائري

9